ويتشكّل هذا البرهان من عدّة مقدّمات :
المقدمة الأُولى : أنَّه توجد في الإسلام أحكام عديدة تتّصف بكونها عامّة ، ولا يمكن للفرد بصفته الشخصيّة أن يقوم بها على أيّ حال ، وقد شرّعها المشرّع الإسلامي لتنظيم الحياة الاجتماعيّة ككلّ . وثبوت كل واحدٍ من هذه الأحكام من الواضحات الضروريّات في الفقه الإسلامي ، كالقضاء وفصل الخصومات ، وكتنفيذ الحكم القضائي بأخذ الدَّين من المدين وأخذ القصاص من الجاني وإيقاع الحدّ على المجرم وغير ذلك ، وكالتصرّف في بعض الجهات الماليّة كالأوقاف العامّة وجباية الضرائب الإسلاميّة الواجبة كالزكاة والخمس والخراج ، وكالجهاد الإسلامي دفاعاً أو هجوماً ، على تفصيل يأتي . وتحتاج كلّ هذه الأحكام وغيرها إلى جهاز حاكم وإدارة مركزيّة للأخذ بزمام المبادرة إلى تطبيقها في المجتمع ، ومن المتعذّر ، بل المحرّم في الإسلام أن يقوم الفرد بها بصفته الفرديّة ، وهي تقابل الصلاحيّات العليا التي تأخذ الحكومات بزمام المبادرة إلى تطبيقها بحسب القانون الوضعي .
المقدّمة الثانية : أنَّ أحكام الإسلام العامّة والخاصّة ، الاجتماعيّة والفرديّة شاملةٌ لكلِّ زمان ومكان من حين وجود الرسالة المحمديّة إلى يوم القيامة ، ولا يحتمل فيها النسخ والاختصاص لفترة معيّنة هي - مثلًا - فترة وجود الأئمّة بين ظهراني المجتمع ، أو فترة وجود الخلافة الأُخرى فيه ، بحيث لا تكون سارية المفعول بعد ذلك .
إنَّ هذا ممّا لا يحتمله مسلم على الإطلاق ، وضرورة الدين قاضيّة ببقاء
مبحث ولاية الفقيه — صفحة 62
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٦٢