فيكون حاله كما لو لم نسمع من المولى أصلًا ماذا قال ؟ وأنَّه هل تلفّظ بلفظ ( شرب ) أو بلفظ ( ازدراد ) ؟ فعلى ذلك هل يُتوهّم فيه إمكان جريان مقدّمات الحكمة أصلًا ؟ !
إذن ، فهذا الوجه الثاني لا يخلو من وجاهة ، وهو أنَّ الحرمة الثابتة للعصير ثابتة له بعنوان الشرب ، وهو لا يصدق على الدبس .
وإنَّما قلنا : لا يخلو من وجاهة ؛ لأنَّنا نشكّ في الصغرى ، فإنَّ الدبس في أُولى مراتبه يصدق عليه الشرب بلا إشكال . نعم ، إذا أصبح سميكاً ، بحيث لو وقعت فيه فأرة لم ينجس كلّه ، فإنَّ عنوان الشرب لا يصدق فيه حينئذٍ « 1 » .
ويتنقّح ممّا ذكرناه : أنَّه لا يوجد إطلاق في روايات تحريم العصير العنبيّ بحيث يشمل العصير بعد الدبسيّة ؛ لأنَّ عنوان الشرب قد أُخذ فيها متعلّقاً للحرمة ، إمّا صراحةً أو ضمناً ، فلا يكون لها إطلاق للأكل .
ويُضمّ إلى ذلك : إبطال الاستصحاب أيضاً ، فيُقال : إذا كان العصير حراماً غير نجس فأركان الاستصحاب غير تامّة ، لأنَّ المتيقّن هو حرمة الشرب ، وأمّا المشكوك فهو حرمة الأكل ، فالاستصحاب في نفسه غير تامٍّ ، حتّى بقطع النظر عن العموم الفوقانيّ .
نعم ، لو بنينا على النجاسة أيضاً ، فأركان الاستصحاب وإن كانت تامّةً في نفسها ، إلَّا أنَّه يأتي التوهّم السابق الذي أشرنا إليه في الوجه الأوّل وأبطلناه بالنكتتين : الفقهيّة والأُصوليّة .
هامش
( 1 ) وهنا قلتُ له : إنَّ فرض المسألة هو ما إذا كان الدبس غير قابل للغليان ، بحيث لو غلى لاحترق ، وهو غير قابل للشرب جزماً . فلم يُجب السيّد دام ظلّه ، بل اكتفى بالابتسام ( المقرّر ) .