تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الطهارة تقريرا لما أفاده السيد محمد باقر الصدر — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
ذهاب الثلثين يكون محلّلًا كما يكون مطهّراً ، فقد يُتوهّم حينئذٍ : أنَّ استصحاب النجاسة يختلف حاله عن حال استصحاب الحرمة ، فهو يجري ، ويكون حاكماً على عمومات الحلّ ، بخلاف استصحاب الحرمة . ونكتة هذا التوهّم : أنَّ عمومات الحلّ قد دلّت على حلّيّة كلّ ما يكون مأكولًا عند العرف ، وحينئذٍ : فإن فرض أنَّ العصير حُكم عليه بالحرمة بسبب الغليان ، فمعنى ذلك : أنَّ دليل التحريم هذا قد أخرج فرداً من أفراد موضوع أدلّة الحلّيّة ، فيكون هذا الدليل مجملًا ، فبالنسبة إلى المقدار الزائد يُرجع إلى العامّ ، ومعه : يكون الاستصحاب محكوماً للدليل الاجتهاديّ كما ذُكر . وأمّا لو فرضنا أنَّ العصير كان محكوماً عليه بالنجاسة أيضاً ، فيمكن أن يُقال : إنَّ عموم ( أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ ) قد خرج منه النجس بما دلّ على حرمة شرب النجس ، فيصير موضوع أدلّة الحلّيّة هو المأكول العرفيّ الذي لا يكون نجساً ، وهذا العصير لو كان محكوماً عليه بالنجاسة قبل أن يصير دبساً ، فإنَّه يُشكّ في ارتفاعها بعد ذلك . وهذه النجاسة المحتملة تكون مشكوكةً بنحو الشبهة الحكميّة ؛ إذ لا علم لنا بحدود جعلها ، وأنَّه هل تبقى هذه النجاسة بعد الدبسيّة أم لا تبقى ؟ ولكنّ هذه الشبهة الحكميّة عندما نلاحظها بالقياس إلى عمومات حلّيّة الطيّبات بعد ارتكاب التخصيص فيها ، فإنَّها تتحوّل إلى شبهةٍ مصداقيّة لا محالة ؛ لأنَّ موضوع تلك العمومات بحسب الفرض إنَّما هو الطيّب الذي لا يكون محكوماً بالنجاسة شرعاً ، وبما أنَّ العصير الذي صار دبساً يُشكّ في كونه نجساً أم لا ، فلا يمكن التمسّك فيه بعمومات الحلّيّة ؛ لما هو منقّح في محلّه من أنَّ العامّ لا يجوز التمسّك به في شبهته المصداقيّة .