بيانه : أنَّ لماء العنب ما دام فيه ، حالتين :
الأُولى : ما هو في طبيعته ، من أنَّه ليس ماء ، وإنَّما جسم مشبّع برطوباتٍ إذا اجتمعت تكوّن منها الماء .
الثانية : ما هو بالعناية ، وهي حالة ضغطنا على العنبة فينعصر داخلها ماء من دون أن تنفجر ويسيل .
وحينئذٍ : إن كان موضوع المسألة هو الأوّل ، كما هو المستظهر من كلمات جملة من المحقّقين ، لم يكن للمسألة معنى محصّل ؛ للقطع بعدم شمول الحرمة له ؛ ضرورة أنَّه إن أُريد إضافة الغليان إلى ماء العنب ، كان من باب السالبة بانتفاء الموضوع ؛ لأنَّه لا ماء حتّى يكون غليانٌ ؛ إذ الغليان إنَّما يكون بتصاعد أجزاء إلى الأعلى وأُخرى إلى الأسفل ، وهو غير متحقّق في المقام .
وإن أُريد أنَّ العنب يغلي في ماءٍ آخر ، فتصعد حبّات العنب فيه وتنزل : فهو غليانٌ لحبّات العنب ، لا لمائه ، وهذا لا دليل على حرمته .
وإنَّما يقع البحث ويتعقّل على الاحتمال الثاني ، وهو ما إذا ضُغط على العنبة حتّى اعتصر في داخلها الماء ، ثمّ غلى بالحرارة من دون تشقّق وانفجار ؛ فهذا ماء عنبٍ تحقّق غليانه ، فهل يشمله الإطلاق في دليل الحرمة أم لا ؟
توضيحه : أنَّ روايات العصير قد أُخذ فيها خصوصيّتان :
إحداهما : خروج الماء من العنب .
والثانية : خروجه بالعصر .
وقد عرفت أنَّ مقتضى الجمود على حاق اللفظ هو الحكم بحليّة المغليّ بغير العصر ، وعدم شمول إطلاق الحرمة له . وكذا عرفت أنَّ الخصوصيّة الثانية ساقطة بحسب الارتكاز العرفيّ .
كتاب الطهارة تقريرا لما أفاده السيد محمد باقر الصدر — صفحة 356
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٥٦