فتتعارضان وتتساقطان ، ويصار إلى القول بأنَّ الحرمة إنَّما تحصل بالنشيش فقط .
والتحقيق : عدم كفاية المعارضة في إثبات المدّعى ، بل لابدَّ معها من تنقيح ما يرجع إليه بعد التساقط ، وإلَّا فقد يدّعى أنَّ المأخوذ في جميع روايات هذا الباب ما خلا رواية النشيش هو عنوان الغليان ، فلا دليل على الحرمة بعد سقوطها سوى روايات الغليان ، فالمرجع قبله الأدلّة أو الأُصول المثبتة للحلّيّة .
وجوابه : أنَّ في الروايات الدالّة على الحرمة ما يصلح لأن يكون مرجعاً فوقانيّاً يُحتكم إليه بعد التساقط .
توضيحه : أنَّ الروايات الواردة في هذا الباب على طائفتين :
الطائفة الأُولى : ما علّقت الحرمة فيها على عنوان إصابة النّار ، كرواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
« كلّ عصير أصابته النّار فهو حرام حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه »
« 1 » ، حيث أطلق الحكم فيها لكلّ إصابة ، وهي أعمّ من الغليان والنشيش ؛ لصدقها بمجرّد وصول الحرارة إلى الماء وامتصاصه شيئاً منها . وهذا اللسان لولا الطائفة الثانية موجبٌ للقول بأنَّ حدّ الحرمة بالإصابة مطلقاً .
ومن هذا القبيل الروايات التي ورد فيها :
« إذا جعل على النّار لم يشرب حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه »
« 2 » . فالجعل على النّار ، وإن كان أعمّ بحسب الدقّة من الإصابة ؛ لصدقه قبل انتقال الحرارة إلى العصير ، بخلافها ، ولكن المراد
هامش
( 1 ) الكافي 12 : 744 ، كتاب الأشربة ، الباب 27 ، الحديث 1 ، وسائل الشيعة 25 : 282 ، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة ، الحديث 1 .
( 2 ) ذكرها ابن إدريس الحلّي في آخر السرائر نقلًا عن كتاب مسائل الرجال عن أبي الحسن علي بن محمّد عليه السلام . راجع السرائر 3 : 584 ، كتاب الحدود ، باب المستطرفات .