أنَّ المراد من الغليان فيها خصوص ما كان بالنّار ، فتتقيّد به سائر الروايات .
وحينئذٍ : تكون النسبة بين هذه الطائفة وسابقتها نسبة المطلق والمقيّد ، ومقتضى الحمل ثبوت الحرمة للعصير المغليّ حتّى يذهب ثلثاه .
إلَّا أنَّ هذا الإيراد غير تامٍّ ، وذلك لوجهين :
الأوّل : أنَّ القول بالحكومة ، غاية ما يوجبه هو اختصاص الروايات بما كان مغليّاً بالنّار ، ولا يلزم منه الحكم بحليّة المغليّ بنفسه ، لقيام الإجماع على حرمته ، فتثبت ، ويكون هو القدر المتيقّن منها .
والقدر المتيقّن من الإجماع هو حرمته قبل ذهاب الثلثين ، فبعد ذهابه يشكّ في بقائها ، فيستصحب .
الثاني : أنَّ دعوى اختصاص الروايات بالمغليّ بالنّار بحكومة رواية القلب ، ممنوعة ؛ بداهة أنَّ القلب الذي لا يحصل إلَّا بالغليان بالنّار ، إنَّما هو القلب التامّ ، وأمّا القلب في الجملة ، بأن يصير شيء من الأسفل أعلى وشئ من الأعلى أسفل ، فلا إشكال في إمكان حصوله بالغليان بنفسه ، فإنَّ الأشياء المنبوذة في الماء تصعد إلى أعلاه من دون نار .
الإيراد الثاني : أنَّ غليان العصير بنفسه أمر لا يمكن تعقّله « 1 » ؛ لاستحالة حصول الغليان من دون سبب ، وإنَّما يحصل الغليان بالغير ، كالشمس والنّار ونحوهما . وإذا كان الغليان بالنفس محالًا خارقاً لقانون العلّيّة فلا معنى لثبوته بالإطلاق .
وجواب هذه المغالطة : أنَّ المراد من المغليّ بنفسه ما لم يكن غليانه بالنّار ،
هامش
( 1 ) أُنظر : التنقيح في شرح العروة 2 : 112 ، كتاب الطهارة ، فصل في النجاسات ، التاسع : الخمر ، العصير العنبيّ .