تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الطهارة تقريرا لما أفاده السيد محمد باقر الصدر — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
ثم التفت إلى عبادة بن الصامت الصحابي الجليل ، فسأله : ما ترى في هذا ؟ فقال : لا أرى أن النّار تحلّل الحرام ، فانزعج منه واتّهمه بالحمق ، ثمّ أفتى بحلّيته ، وأمر المسلمين أن يشربوا منه ، فلّما شربوا منه جاؤوا سكارى ، فأمر بإقامة الحدّ عليهم ، فقالوا : أتأمرنا بالشرب وتشرب وتحدّنا عليه ، فقال : إنَّما حددتكم على السكر ، ولم أحدّكم على الشرب « 1 » . والحاصل أنَّه قد حلّل المسكر حقيقةً ؛ ضرورة أنَّ العصير العنبيّ إذا صار مسكراً من غير طبخ ، حرم قليله وكثيره ، فلو كان طبخه بعد ذلك رافعاً للحرمة الثابتة قبله ، للزم حلّية المطبوخ منه وإن كان مسكراً . ولذا قال الصحابي الجليل : النّار لا تحلّل الحرام . وقد وقعت هذه القصّة موقع نزاع بين الصحابة ومن بعدهم وبين فقهاء العامّة ، أنَّ الطبخ هل يوجب رفع الحرمة الثابتة قبله ، أم لا يوجبها ؟ فكلامهم إنَّما هو في رافعيّة الطبخ للحرمة وعدم رافعيّتها ، في حين إنَّ كلامنا في أنَّ ذلك هل يوجب ثبوت الحرمة أم لا ؟ وهذا هو الفرق بيننا
هامش
( 1 ) راجع السنن الكبرى 8 : 301 ، كتاب السرقة ، باب ما جاء في صفة نبيذهم ، نقلها كما يلي : عن محمود بن لبيد الأنصاري ، أنَّ عمر بن الخطاب حين قدم الشام فشكا إليه أهل الشام وباءَ الأرض وثقلها ، وقالوا : لا يصلحنا إلَّا هذا الشراب ، فقال عمر : اشربوا العسل ، فقالوا : لا يصلحنا العسل ، فقال رجل من أهل الأرض هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئاً لا يسكر ، فقال : نعم ، فطبخوه حتّى ذهب منه الثلثان وبقي الثلث ، فأتوا به عمر ، فأدخل عمر فيه إصبعه ، ثُمَّ رفع يده فتبعها يتمطط ، فقال : هذا الطلاء ، هذا مثل طلاء الإبل ، فأمرهم عمر أن يشربوه ، فقال له عبادة بن الصامت : أحللتها والله ، فقال عمر : كلا والله ، اللهمَّ إنّي لا أحلّ لهم شيئاً حرّمتَه عليهم ولا أحرّم عليهم شيئا أحللته لهم . وفي فتح الباري 10 : 55 ، كتاب الأشربة ، باب الباذق ، ومسند الشافعي 1 : 284 ، كتاب الأشربة .