وحينئذٍ : تدلّ الرواية بمفهومها على حليّة العصير إذا لم يتغيّر حاله ، وهذا كافٍ في تقييد إطلاق الروايات الدالّة على حرمة العصير العنبيّ .
وجوابه : أنَّ هذه الرواية مرسلة غير صحيحةٍ سنداً ؛ لوقوع مجهولٍ في طريقها ، حيث رواها ابن الهيثم عن رجلٍ عن أبي عبد الله عليه السلام ، ولولا ذلك لكانت أقوى القرائن وأحكمها على التقييد .
وبهذا يتمّ الكلام عن القرائن المفيدة للتقييد ، وجميعها غير تامٍّ .
وأمّا القول : إنَّه لا إطلاق في روايات حرمة العصير المغليّ لما إذا كان الغليان بنفسه أو بالنّار ، وكذا لا إطلاق فيها لما إذا كان مسكراً أو غير مسكر ، وإن ظهر منها الإطلاق بالنظر البدوي .
فتفصيل الكلام في هذه الدعوى يتوقّف على طرح مسألتين لطالما كانتا مداراً للنقاش من عصر الصحابة وحتّى زمن الإمام الصادق عليه السلام ، إحداهما : في الطلاء ، والثانية : في حدّ الإسكار والتحريم .
المسألة الأُولى : حكم الطلاء
لا إشكال في حرمة العصير العنبيّ إذا غلى ، ولم يخالف فيه إلَّا مَن شذّ من المعتزلة ، حيث قالوا : لا بأس بالقليل من الخمر إذا لم يسكر . وإنَّما الإشكال في العصير المطبوخ منه .
والأصل في ذلك قصّة عمر بن الخطّاب حين ذهب إلى الشام بعد فتحها ، فشكا إليه المسلمون ثقل أغذيتها ، وحاجتهم إلى المسكر ليساعد على هضمها ، فأمرهم بشرب العسل ، فقالوا : لا يصلحنا ، ثُمَّ جاءه نصراني بعصير عنب مغليّ ثخين ، فأدخل عمر إصبعه فيه وقال : هذا مثل الطلاء ، أي : مثل النفط الذي تطلى به الإبل ، فسمّي طلاء منذ ذلك الحين .