فإنَّ قياسه على تبخّر البول قياس مع الفارق ؛ ضرورة أنَّ الذي يتبخّر من البول هو الماء باعتباره أخفّ العناصر التي يتركّب منها ، فينفصل عن بقيّة الأجزاء ، فلا يصدق عليه حينئذٍ أنَّه بول ؛ لأنَّه قد تبخّر منه ما هو دخيل في بوليّته ، فيحكم بالطهارة لذلك . وهذا بخلاف الماء المتبخّر من الخمر ، فليس دخيلًا في خمريّته ، بل ما هو دخيل فيه هو الكحول .
وهنا وجهٌ آخر ، حاصله : أنَّ ما يخرج بتبخّر الخمر هو الكحول نفسه باعتبارها أخفّ العناصر ، فالكحول المركّزة تنتج بالتبخّر لا أنَّها تبقى بعده . ولازمه : أن يصدق على المحلول الناتج بالتبخّر أنَّه خمر أيضاً ، فيحكم بنجاسته .
وعلى أيّ من الوجهين ، لا يكون ما ذكره دام ظلّه في التقريرات تامّاً ، وإنَّما الإسبرتو المتعارف هو المتّخذ من موادّ أُخرى غير الخمر ، وربّما أخذ أغلبه من الشعير كما قيل ، ولذا كان ثمن الإسبرتو أرخص من ثمن الخمر ، ومعه يكون محكوماً بالطهارة .
لا يُقال : لا فرق بين الخمر وغيره من المسكرات ؛ بداهة انحفاظ مادّة الكحول في جميعها .
لأنَّه يُقال : هذا إنَّما يتمّ فيما لو علم أنَّ ملاك النجاسة هو الجنبة الكيماوية ، فيُقال حينئذٍ باستواء نسبتها إلى سائر المسكرات ، ولكن لا دليل عليه ، بل لعلّ المناط في النجاسة الجوانب الأُخرى الاجتماعيّة المنضمّة إلى الجوانب الكيماويّة ، ذلك أنَّه لا ينبغي الإشكال في أنَّ العصير العنبيّ هو الركن الركين في هذه المعصية ، ومن هنا قيل : إنَّ أوّل ما استكشف الخمر من العنب ؛ إذ كان يحفظ مدّةً من الزمن حتّى يختمر بنفسه ، ولذا عُدّ الخمر اسماً من أسماء
كتاب الطهارة تقريرا لما أفاده السيد محمد باقر الصدر — صفحة 221
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٢١