التقريب الأوّل : دعوى إعراض المشهور عنها ، فإنَّ أخبار الطهارة منها ما هو صريح وصحيح ، وقد كانت بأجمعها بمرأىً ومسمع من علمائنا المتقدّمين ، ومع ذلك فلم يكد يعمل بها أحد منهم ، فنستكشف من ذلك أنَّهم وجدوا فيها خللًا يمنع عن العمل بها . وبهذا تسقط عن الحجيّة لا محالة ؛ لأنَّ المناط في الحجيّة - كما هو محقّق في محلّه - ليس هو وثاقة الراوي فحسب ، بل لابدَّ أن تكون الوثاقة مؤثّرة في حصول الوثوق النوعيّ بمدلولها ، فلو لم يحصل الوثوق - ولو بقرينيّة الإعراض - كانت ساقطة عن الحجيّة .
لكنّ هذا الكلام ، وإن كان صحيحاً من الناحية الكبرويّة ، إلَّا أنَّ هذه الكبرى مشروطة بأن يكون الإعراض - إعراض المشهور - إعراضاً حسيّاً ، لا صناعيّاً ، يعني : أنَّه كان إعراضاً من قبلهم لأجل اطّلاعهم على نكاتٍ في الرواية توجب عدم الوثوق نوعاً بصدورها ، لا من باب اقتضاء قواعد التعارض للسقوط . فكلّ موردٍ يمكن حمل الإعراض فيه على أنَّه صناعيّ ، فإنَّه لا يكون موجباً لسقوط الرواية عن الحجيّة ، وفي كلّ موردٍ لا يمكن حمله على ذلك ، كان مسقطاً لها عن الحجيّة « 1 » .
وفي المقام ، يمكن أن يُفرض أنَّ إعراضهم عن أخبار الطهارة ، وترجيحهم في مقام العمل لروايات النجاسة إنَّما كان من قبيل الإعراض والترجيح الصناعيّين ، وقد استشهدنا لذلك آنفاً بكلمات الشيخ الطوسيّ قدس سره نفسه ؛ حيث إنَّه لم يُسقط أخبار الطهارة من باب أنَّها شاذّة أو منكرة ، بل بملاحظة أوجهٍ ومرجّحات صناعيّة ، كموافقة الكتاب ونحوها .
هامش
( 1 ) أُنظر : بحوث في علم الأُصول 4 : 424 - 426 ، مباحث الحجج والأُصول العمليّة ، مبحث الظنّ ، حجّية الأخبار ، تحديد دائرة الحجّيّة .