والتحقيق في المقام : أنَّ جنبة التقيّة في أخبار الطهارة تتصوّر بأحد تقريبين :
الأوّل : أنَّ الفتوى بالطهارة وإن لم تكن معروفة بين علماء الإسلام من أهل السنّة ، بل أطبق الجمهور على الفتوى بالنجاسة ، لكنّ سلاطين الوقت كان الخمر داخلًا في محلّ ابتلائهم كثيراً ؛ إذ كانوا لا يجتنبونه ولا يتورّعون عنه ، ومعه : فالفتوى بالنجاسة من شأنها أن تجعل صاحبها في خطرٍ من مواجهة الحاكم ، وعليه : فتكون أخبار النجاسة موافقةً للعامّة من جهة ، وأخبار الطهارة موافقةً لها من جهةٍ أُخرى ، ففي كلٍّ من الطائفتين ما يوجب احتمال صدورها تقيّة .
والتحقيق : أنَّ هذا غير صحيح ؛ لأنَّ الأدلّة التي دلّت على الترجيح بمخالفة العامّة ، لم تدلّ على ذلك بلحاظ المخالفة لفسّاق العامّة بما هم فسّاق العامّة ، وإنَّما دلّت عليه بلحاظ المخالفة لأخبار العامّة أو أقوالهم ، ومن المعلوم أنَّ المقصود من أخبارهم إنَّما هو مداركهم الفقهيّة ، والمقصود من أقوالهم : فتاواهم وآراؤهم الدينيّة ، ولا يشمل ذلك ما يفعله فسّاقهم ممّا يستنكره المسلمون من العامّة أنفسهم .
مضافاً إلى أنَّ صدور هذا النحو من التقيّة غير محتملٍ من الأئمّة عليه السلام ، فإنَّ ما كان عادةً وسجيّةً وديدناً لهم عليهم السلام ، وأنَّ
« التقيّة ديني ودين آبائي ، وأنَّ من لا تقيّة له لا دين له »
« 1 » ، إنَّما هو التقيّة بلحاظ الرأي العامّ الإسلامي ، أي : الرأي السائد عند المتديّنين من غير المسلمين الشيعة ؛ لأنَّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يسعون إلى احتضان سائر المسلمين وتقريبهم منهم على ضوء تعاليمهم ومدرستهم ، ومن الواضح - والحال هذه - أنَّه لو صدر منهم عليهم السلام ما يكون
هامش
( 1 ) المحاسن 1 : 255 ، كتاب مصابيح الظلم من المحاسن ، باب التقيّة ، الحديث 286 .