وبالرغم من أنَّها كانت على مرأى ومسمع من علمائنا المتقدّمين ، وبالرغم من وضوحها في الدلالة على الطهارة ، إلَّا أنَّه مع ذلك لم يعمل بها المتقدّمون ولا المتوسّطون ، ما يدلّ على أنَّ ثمّة خللًا ما في هذه الروايات ، وعليه : فلا تكون مشمولةً لأدلّة حجيّة خبر الواحد .
ولا ينبغي الإشكال في أنَّ إعراض المشهور - لو ثبت - يكون موجباً لسقوط هذه الأخبار عن الحجيّة ، باعتباره أمارةً على وجود خللٍ فيها .
كما لا ينبغي الإشكال أيضاً في أنَّ المشهور لم يعملوا بهذه الأخبار ، ولكن لا يُعلم أنَّ عدم عملهم بها نشأ من اطّلاعهم على وجود خللٍ من نقلها « 1 » ، وإن كان هذا بعيداً في حدِّ نفسه ؛ لمكان تعدّدها ، ووضوح دلالتها ، وصحّة جملةٍ منها . كما يبعد ذلك لوجهٍ آخر أيضاً ، وهو أنَّ المشهور في مقام تعليل ترك الإفتاء بالطهارة ، لم يعلّلوا بوجود خللٍ في أخبارها ؛ فالشيخ الطوسي قدس سره - مثلًا - في كتابيه : التهذيب والاستبصار ، لا يأتي على ذكرٍ لذلك أصلًا ، وإنَّما هو يطبّق لتقديم أخبار النجاسة وجوهاً صناعيّة كلّها . كما أنَّ ابن إدريس قدس سره حين ذهب إلى القول بالنجاسة ، انتقد ما صنعه الصدوق في الفقيه من الاعتماد على أخبار الطهارة ، مبيّناً أنَّ ذلك منه اعتماد على أخبار آحاد ، وهي - على مبنى ابن إدريس - لا توجب علماً ولا عملًا « 2 » .
هامش
( 1 ) راجع : مشارق الشموس 4 : 215 ، كتاب الطهارة ، الدرس 19 في النجاسات ، الثامن في المسكرات ، قال قدس سره : ) وأمّا أنَّ النجاسة هي المشهورة بينهم فلا يُعلم ، ولعلّ الشهرة حصلت بعدهم باعتبار استنباطهم النجاسة من ظاهر القرآن ، وقد عرفت حال هذا الاستنباط ، ومثل هذه الشهرة لا نسلّم أنَّه يصلح للترجيح ( .
( 2 ) أُنظر : السرائر : 179 ، كتاب الطهارة ، باب تطهير الثياب من النجاسات .