مراتب الإمكان الاستعدادي ؟ بل ما هو الدليل على لزوم أن يكون العقد الفضولي جامعاً للشرائط المعتبرة في عقد الأصيل ؟ فلو أوقع الأصيلان العقد ربويّاً لكان باطلًا ، ولكن لو أوقع الفضولي مثله ، ثُمَّ تبدّل نظام السوق من كون المتاع بالوزن إلى كونه بالعدد ، كما في الخبز ، ثُمَّ أجاز زيدٌ ، فما الدليل على بطلانه ؟ مع أنَّ دليل بطلان الربا لم يرد على إنشاء البيع ، بل على المعاملات التي يقوم بها الناس فيما بينهم . ولو باع الأصيلان خمراً ، لوقع باطلًا ، ولا طريق إلى تصحيحه ، وأمّا إذا باع الفضولي خمراً ، وحصل له الجدّ ؛ للغفلة أو عدم الاعتناء ، ثُمَّ صار الخمر خلّاً ، ثُمَّ أجازه ، فلا دليل على بطلانه ؛ فإنَّه باع موجوداً خارجيّاً ، وهو بعينه وقعت عليه الإجازة . فمن قال بأنَّ العقد حال الإنشاء يجب أن يكون جامعاً للشروط عدا الإجازة ؟ والحقّ : أنَّه لابدَّ أن يكون جامعاً لهذه الشرائط قبيل الإجازة .
ثُمَّ إنَّنا لو التزمنا بذلك في شروط البائع والمشتري في باب البيع ، فمن الواضح أنَّ الإمكان كالامتناع ليس من الشروط ؛ إذ لا ربط للإمكان والوقوع بالشروط الشرعيّة والعقلائيّة . ولو احتملنا مثل هذا الشرط أمكن نفيه بإطلاق ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) « 1 » ، فلو كان فعلًا ممتنع الإجازة ، فغايته أنَّه لا يقع صحيحاً فعلًا . وأمَّا أنَّه لا يقع صحيحاً كصحّة باب الفضولي فلا . نعم ، تحتاج الصحّة الفعليّة إلى الإجازة ، فإذا امتنعت الإجازة امتنعت الصحّة الفعليّة ؛ لتوقّفها على أمرٍ ممتنعٍ . وأمّا الصحّة التأهّليّة فغير متوقّفةٍ على الإجازة .
ولو سلّمنا أنَّ الصحّة التأهّليّة كانت ممتنعةً ، ثُمَّ وجد الإمكان
الاستعدادي ، فمن قال بالبطلان لزم عليه إقامة الدليل عليه ، مع أنَّ لكلامنا
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 1 .