أيضاً .
والجواب : أنَّ ما ذُكر من وجه التحكيم غير مرضي عند العقلاء ، ولابدَّ من ثبوت رضاهم به ، وهناك فرقٌ بين مقامنا هذا وبين الدليل المتعرّض لموضوع دليلٍ آخر توسعةً أو ضيقاً . فما قيل في علم الأُصول من أنَّ ضابط الحكومة هو تعرّض أحد الدليلين لما لا يتعرّض له الآخر « 1 » « 2 » ليس تامّاً على إطلاقه ، بل لابدَّ من كونه مقبولًا عقلائيّاً .
ويمكن تقريب ذلك بعكس ما تقدَّم ، فنقول : إنَّ « لا ضرر » حقيقةٌ ادّعائيّةٌ تحتاج إلى مصحّحٍ ، والمصحّح هو أنَّ المتكلّم رأى أنَّ صفحة تشريعه خاليةٌ على المبنى ، فادَّعى أنَّ ماهيّة الضرر غير موجودةٍ .
فنقول : إنَّ هذا الادّعاء يعطي قوّةً للدليل ، وإن كان قابلًا للتقييد على تأمّلٍ . ولكن إذا تعارض « لا ضرر » و « لا حرج » بنحو العموم من وجهٍ ، ولم يكن هناك مانعٌ من تقييد « لا حرج » ، فلا يأبى العرف ذلك ، ولكن يأبى عن تقييد « لا ضرر » ؛ لأنَّه منافٍ مع الادّعاء ، لا من باب التحكيم ، ولكنَّه أمرٌ لا يوافق عليه العقلاء ، أو يُقال : إنَّ الضرر غير موجودٍ إلّا إذا لزم منه الحرج « 3 » .
هامش
( 1 ) أُنظر : أنوار الهداية 370 : 1 ، مباحث الظنّ ، الرسائل 239 : 1 ، رسالة في الاستصحاب ، خاتمة الأمر الثالث .
( 2 ) لا يخفى : أنَّ هذا بظاهره لا معنى له ، ولم نجد له قائلًا ، فلعلّ القائل به هو السيّد نفسه بتقريبٍ آخر ( المقرّر ) .
( 3 ) لا يخفى : أنَّ هذا لا ينافي الحقيقة الادّعائيّة ؛ إذ يكفي في تصحيحها الأفراد الغالبة أو أكثر الأفراد ، وهو حاصلٌ بلا إشكالٍ ، فلا يمكن تقديم ( لا ضرر ) بهذا الوجه ( المقرّر ) .