الاستدلال ببناء العقلاء
وبعد الفراغ من الكلام عن معنى الضمان ، يقع الكلام في مقام فراغ الذمّة والخروج عنها ، وما هو حكم العقلاء في ذلك ، فنقول : إنَّ كيفيّة الضمان أمرٌ عقلائي ، لا يختصّ بشرعٍ ولا بجماعة المسلمين ، وحكم العقلاء في الضمان هو في المثليّات بالمثل ومع فقده بالقيمة .
والنكتة في بناء العقلاء : أنَّ المملوكات التي تتعلّق بها الرغبات إنَّما لأجل خصوصيّات تجعلها مورداً لرغبة العقلاء ، والرغبة تتعلّق بالأشياء بلحاظ آثارها وخواصّها وفوائدها ومنافعها ، ولعلّ بعض الخصوصيّات ليست مورداً للرغبة كخصوصيّات الهويّة والمكان والزمان مثلًا ، فالعقلاء لا يفرّقون بين منٍّ من حنطة مع منٍّ آخر منها ، وكلاهما من صبرةٍ واحدةٍ .
ولذا فوجوب ردّ المثل عند العقلاء باعتبار أنَّه إذا تلفت العين لم ينقص شيءٌ من مماثلها في الصفات والأوصاف ممّا هو مورد الرغبة ، وأمّا مثل المكان والزمان فليس متعلّق الرغبة ؛ فإنَّ إعطاء المثل لا يشكّل فرقاً عندهم ، بل يرون فيه تمام ما كان متعلّقاً للرغبة ، ويكون أداؤه أداءً للتالف . وهذه هي نكتة ردّ المثل بحسب بناء العقلاء .
نعم ، إذا تعذّر المثل ينتقل الأداء إلى القيمة ؛ باعتبار أنَّها الأمر الوحيد المتبقي الذي تتعلّق به الرغبة بعد التلف وتعذّر المثل ، كما هو المعلوم من بناء العقلاء .
وأمّا قول الشيخ الأعظم قدس سره بأنَّ الضمان بالمثل ؛ لأنَّه أقرب إلى التالف من حيث الماليّة والصفات ، ثمَّ بعده قيمة التالف « 1 » ، فليس مراده أن يكون
هامش
( 1 ) كتاب المكاسب 217 : 3 ، الضمان بالمثل .