فصل عنها في زمان معيّنٍ ؛ إذ لا يلزم منه الانفصال عنها إلى الأبد . فالذي لا يكذب أصلًا مثلًا هل يكون مطيعاً لخطاب ( لا تكذب ) في كلّ زمانٍ يتمكّن فيه من الكذب ، أو يكون مطيعاً إطاعةً واحدةً ؟ نعم ، لو كذب فقد ارتكب الحرام ، كما أنّ صدور الكذب منه في الأزمنة اللاحقة محرّمٌ أيضاً .
والفارق بين ما ذُكر وبين مبغوضيّة الأفراد أنّه على الثاني تكون أفراد الطبيعة مبغوضةً مستقلًا ، إلّا أنّ الطبيعة بنفسها تقع مبغوضةً على الأوّل ، لا بخصوصيّاتها .
هذه هي الأنحاء المتصوّرة لورود العامّ باللفظ ، ولا إشكال في إمكانها عقلائيّاً وصحّتها عرفاً . هذا .
ثمّ إنّ الاستمرار قد يُستفاد أيضاً من الإطلاق ومقدّمات الحكمة ، وهذه المقدّمات ليس فيها عامٌّ أصولي أو عامٌّ مجموعي ، بل تكون الطبيعة بنفسها موضوعاً للحكم بعد جريانها ، فلا يُستفاد الاستمرار من الإطلاق بالمعنى المعهود ، بل من الإطلاق القائم على أساس قرينة الحكمة بالمعنى الذي أفاده المحقّق الكركي ( قدس سره ) ، وهو صحيحٌ بلحاظ مناسبات الحكم والموضوع .
فإذا قال مثلًا : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لم يكن المراد الوفاء بها آناً ما ، بل الغرض بيان لزوم الوفاء بنحو الدوام ، فهو ليس كالأمر الذي يكفي امتثال فردٍ واحدٍ منه في تحقّق إطاعته ، بل إنّه إذ لم يُقيّد بقيدٍ نستكشف منه إرادة وجوب الوفاء دائماً ؛ صوناً لكلام الحكيم عن اللغويّة وبقرينة مناسبات الحكم والموضوع . وستأتي الإشارة إلى هذه الجهة في بحثٍ لاحقٍ إن شاء الله تعالى .
ثمّ إنّ المولى لو قال : أكرم كلّ عالمٍ في كلّ زمانٍ أو قال : أوفوا بالعقود مستمرّاً أو استفيد الاستمرار والدوام من مقدّمات الحكمة ، يكون الحكم
كتاب البيع تقريراً لما أفاده السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 75
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٧٥