وأنت خبيرٌ : بأنّ المبيح له أن يتصرّف في العين ، بخلاف الإجارة ؛ فإنّ العين لم تزل ملكاً للمؤجّر ، فيقع الكلام في أنّ له أن يفسخها ليرتفع موضوع الإجارة أو لا ؛ لأنّ للمستأجر الحقّ في الانتفاع بالعين ، وليس للمؤجّر التصرّف فيها بأيّ نحوٍ من أنحاء الانتفاعات ؟
والوجه فيه : أنّه بعد أن أباحه ، لا حقّ له في الرجوع ، كما لا يمكنه أن يتلف العين ، بعد أن كان للمباح له حقّ التصرّف كيفما يشاء ، فكيف يُدّعى أنّ له حقّ التصرّف بما يرفع موضوع الإباحة ، مع الاعتراف بأنّها إباحةٌ لازمةٌ ليس لأحدهما رفع اليد عنها ؟
مع أنّنا لو قلنا بأنّ له نحواً من التصرّف - ولم يثبت - إلّا أنّه لا حقّ له أن يتصرّف بما يرفع يد الطرف الآخر عنه بالإتلاف ونحوه ؛ لتعلّق حقّه بالعوض ، فتشمله الأدلّة العامّة ، فلا وجه لما أفاده ( قدس سره ) في المقام أصلًا .
فقد تقرّر أنّ الإباحة هنا بيعٌ صحيحٌ ولازمٌ ، كما أنّنا إن قلنا بأنّها معاوضةٌ مستقلّةٌ ، كانت صحيحةً ولازمةً أيضاً بحسب الأدلّة العامّة ، وليس لأحد الطرفين أن يرجع بإتلاف العين ونحوه .
وبهذا البيان فرغنا عن التنبيه الرابع الباحث في صور قصد المتعاطيين ، ليليه الكلام في جريان المعاطاة في سائر المعاملات ؛ إذ قد يُدّعى خصوص جريانها في البيع أو يُقال بجريانها في بعض المعاملات دون بعضها الآخر .
التنبيه الخامس : حول جريان المعاطاة في سائر المعاملات
وقع البحث في جريان المعاطاة في غير البيع من العقود جائزةً كانت أم لازمةً ، ولا إشكال في أنّ مقتضى القاعدة جريانها في سائر المعاملات :