واقعيّين حقيقيّين ، بل هما من الأمور الاعتباريّة التي يعتبرها العقلاء بعد صدور الأمر ؛ إذ اللفظ لا يُعقل أن يقع موضوعاً لإيجاد أمرٍ تكويني ( « 1 » ) .
والوجه فيه : أنّ الأمور التكوينيّة مفتقرةٌ إلى عللٍ خاصّة بها ، والألفاظ موضوعةٌ للدلالة ، غاية الأمر أنّ بعضها موضوعٌ للدلالة الإيجاديّة وبعضها موضوعٌ للدلالة الإخباريّة .
وإن شئت قلت : إنّنا باللفظ نريد أن نوجد معنى ما ، إلّا أنّه بحسب الاعتبار ، لا بحسب الواقع والحقيقة . فإن قلت : ( أكرم زيداً ) كان كلٌّ من الإنشاء والمنشأ منجّزاً فعليّاً ، وإن قلت : ( إن أكرمك زيدٌ فأكرمه ) فظاهره - بلا كلامٍ - رجوع القيد إلى الهيئة ، إلّا إذا دلّ دليلٌ على الخلاف ، فنرفع اليد عنه .
وأمّا التلفّظ به فهو فعلي ، إلّا أنّ ما أوجدته في المقام هو أنّي جعلت إيقاعاً اعتباريّاً لشيء مشروطاً بشيءٍ آخر ، فلو لم يتحقّق ذلك الشيء لم يتحقّق الاعتبار المذكور . كما أنّني حينما أتلو قوله تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتَا ( « 2 » ) لا يكون الإخبار عنه مطلقاً ، بل معلّقاً على وجود الآلهة المتعدّدة ، وإن لم يكن إيجاداً فعليّاً ليلزم منه التناقض ، بل الإيجاد تعليقي .
هامش
( 1 ) لا يخفى : أنّ الألفاظ موضوعةٌ لإفهام مقاصد المتكلّم ، أي : إيجاد ذات الصورة الذهنيّة للمتكلّم في ذهن المخاطب ، ولا نعلم معنى آخر للدلالة غير خطور هذه الصورة - أي : المعنى - في الذهن ، وهذه الصورة أمرٌ تكويني قطعاً ، ما يصحّ معه أن يُقال : إنّ اللفظ علّةٌ لأمرٍ تكويني . نعم ، حضور الصورة لا يتمّ لو لم يكن في البين وضعٌ عقلائي ، إلّا أنّه في المرتبة المتأخّرة عن الوضع يصير حضور المعنى تكويناً قهريّاً لا محالة ، كما هو الملحوظ بالوجدان للفرد لو كان مطّلعاً على الوضع ( المقرّر ) .
( 2 ) سورة الأنبياء ، الآية : 22 .