والمطاوعة لا تُعقل إلّا مع تقديم الإيجاب ، نظير الكسر والانكسار ، فكما لا يمكن أن يتقدّم الانكسار على الكسر ، فكذلك لا يُعقل تقدّم القبول على الإيجاب .
إلّا أنّ هذا الوجه يمكن الجواب عنه بما أفاده المحقّق الخراساني ( قدس سره ) من أنّ المطاوعة تارةً تكون أمراً تكوينياً كالكسر والانكسار والضاربيّة والمضروبيّة ، ولا يُعقل فيها تقدّم المطاوعة على الفعل ، وأخرى تكون أمراً اعتباريّاً ، كما هو محلّ البحث ( « 1 » ) . فلو قال : ( قبلت ذلك العمل الذي ستقوم به ) فلا مانع منه قطعاً ؛ إذ يصحّ أن أقبل في الحال تسليمه عشرة دنانير فيما بعد ، ولا إشكال فيه عند العقلاء . مع أنّنا لا نلتزم بعدم جواز التقدّم في الاعتباريّات ، مع ما مرّ منّا غير مرّة من أنّه لا يُعتبر في القبول أزيد من الرضا : سواءٌ أكان متقدّماً أم متأخّراً ؛ إذ يقع العقد معه صحيحاً نافذاً عند العقلاء .
ثمّ لو تنزّلنا والتزمنا باعتبار تأخّر القبول عن الإيجاب يبقى فرق بين المطاوعة التكوينيّة والمطاوعة الاعتباريّة ؛ إذ ليس إنشاء المطاوعة في التكوين بيديّ ، بخلاف المطاوعة الاعتباريّة ؛ إذ يُعقل إنشاؤها بنحوٍ يقع القبول بعدها بأحد وجهين :
الأوّل : على نحو الواجب المعلّق ، أي : كما إذا أمر المولى وكان المأمور به لاحقاً له ، نحو قوله تعالى : أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ( « 2 » ) ؛ إذ أنشأ الوجوب في الحال ، إلّا أنّ الواجب لا يتحقّق إلّا بعد الدلوك ، وكما
هامش
( 1 ) انظر : حاشية المكاسب ( للمحقّق الخراساني ) : 27 ، مسألة : الأشهر لزوم تقديم الإيجاب على القبول .
( 2 ) سورة الإسراء ، الآية : 78 .