نعم ، الإنشاء تدريجي الوجود ، ويفتقر بيانه إلى دوالٍّ متعدّدةٍ ، وسواء قصد إلقاء الحقائق أم الكنايات أم المجازات ، فلابدّ من القول بتعدّد الدالّ والمدلول فيها .
ثمّ إنّ الإنشاء وإن كان تحقّقه تدريجيّاً ، إلّا أنّ العقلاء بعد تماميّة الإنشاء واستقرار القصد منه يعتبرونه الملكيّة والنقل بالمعنى الاسم المصدري ، مع أنّنا نبحث في الإنشاء والإيقاع ، لا عن التمليك بالمعنى الاسم المصدري . مع أنّ الإنشاء لا يقع بالإيجاب وحده ، بل يلزم أن يتعقّبه القبول ، فهل يُعقل أن يُقال : إنّ القبول عين الإيجاب ؟
ثمّ إنّ العقلاء إنّما يلزمون المتكلّم بما أفاده بعد تماميّة كلامه ، لا بمجرد شروعه في القول : ( بعت ) ؛ إذ لا يقع لازماً في نظرهم بمجرّده ، كما لو أراد أن يقول : ( بعت منفعة الشهر ) أي : بقصد الإجارة . فللمتكلّم أن يضيف إلى كلامه ما شاء من القيود واللواحق .
ثمّ إنّ الدلالة التصوّرية المذكورة في كلامه ليست ظهوراً ، بل هي خطورٌ في الذهن ، وذلك لا يفرّق الحال فيه بين البيع بالمجاز وبالحقيقة والكناية والمشتركات اللفظيّة والمعنويّة ؛ إذ الماهيّة مركّبة حسب الفرض ، والإنشاء تدريجي الحصول ، فيتحقّق بتعدّد الدالّ والمدول ، وإنّما يقع موضوعاً لحكم الشارع والعقلاء بعد تماميّة المراد منه .
فانقدح : أنّ سائر الأسباب العقلائيّة المستعملة في المحاورات العامّة والإنشاءات المبرزة في المحاورات العرفيّة - سواء صدرت بالمجازات البعيدة والقريبة أم المشتركات المعنويّة واللفظيّة - إن حفّت بالقرائن وقعت صحيحةً نافذةً عند العقلاء ؛ لأنّ نظر العقلاء إلى خصوص تحقّق المسبّبات منها .
كتاب البيع تقريراً لما أفاده السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 238
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٣٨