ولا يخفى : أنّه تقدّم منّا في أبحاث سابقة الإشارة إلى دعوى تقسيم العقد إلى قسمين : العهد المؤكّد والعهد غير المؤكّد ، فإن وقع باللفظ كان مؤكّداً ، وإن وقع بالفعل لم يكن كذلك ، وقد أفاد ( قدس سره ) في المقام بأنّ في استعمال الكنايات وهناً وضعفاً يسري إلى اللفظ ، فلا يقع العهد المؤكّد ( « 1 » ) . ولعلّ مراده : أنّ دلالة العقد باللفظ تامّةٌ ، فيقع عهداً مؤكّداً ، بخلاف ما إذا كان بالفعل أو الكناية أو المجاز ؛ إذ لا يقع مؤكّداً حينئذٍ .
وسبق أن أشرنا إلى أنّ التوكيد في العقد هل يعني التوكيد في الماهيّة التي هي عبارة عن مبادلة مالٍ بمال ؟ مع أنّ الماهيّة لا يفرّق الحال في كونها قراراً والتزاماً بمبادلة شيءٍ بآخر : سواءٌ أحصلت باللفظ الصريح أم غير الصريح ؛ لوضوح أنّ المقابلة والمبادلة المطلوبة لا يُتعقّل فيها التوكيد . وإن أريد من التوكيد الافتقار إلى قيدٍ آخر بالإضافة إلى مضمون المعاملة ومفادها : كالتصفيق والقسم بعدم الرجوع مثلًا ، فيلاحظ عليه أنّ ما ذُكر لم يؤخذ في العقد قطعاً .
بقي الكلام في قوله ( قدس سره ) : إنّ العهد المؤكّد لا يقع بالكناية ، بل باللفظ الصريح خاصّة .
فإن كان المراد أنّه يُعتبر في العقد اللفظ الصريح ، كان مصادرةً على المطلوب ، وإن كان المراد أنّ هناك معنىً لا يُفاد إلّا باللفظ الصريح دون التعاطي والكناية ، فلنا أن نسأل عن حقيقة هذا المعنى ، فإن كان هو المبادلة فلا كلام في وقوعه بالتعاطي والكناية أيضاً ، وإن كان أزيد منه فهو لا يقع ولو باللفظ الصريح ؛ إذ لا يترتّب من قولنا : ( بعت وقبلت ) مثلًا إلّا المبادلة .
هامش
( 1 ) انظر : المصدر السابق .