وبهذا البيان ظهر : أنّ ما أفاده الأعلام في المقام من أنّ إشارةَ الأخرس بمنزلة اللفظ غير واضحٍ ؛ لأنّهم اختاروا أنّ اللفظ والإشارة والتعاطي والكتابة ونحوه كلّها أسبابٌ مستقلّةٌ ، فإن لم يكن للأخرس إيجاد أحدها كاللفظ كان له إيقاع المعاوضة بسببٍ آخر ، ولا يكون أيٌّ من الأسباب قائماً مقام سببٍ آخر . والوجه فيه : أنّهم حينما صرّحوا بسببيّة الكتابة فهل يقولون بقيامها مقام اللفظ ، أم إنّ كلًا منهما سببٌ مستقلٌّ ، ونحوه الكلام في الإشارة ؟
ثمّ إنّ ما اختاره الأصحاب في المسألة من قيام إشارة الأخرس مقام لفظه يدلّ على عدم التزامهم بما قيل من عدم لزوم الرجوع إلى العرف وسوق العقلاء وجواز إيقاع الأسباب كما نشاء . مع أنّه قد تقدّم منّا أنّه كما يلزم الرجوع إلى العقلاء في تعيين ماهيّة العقد ، فكذلك يلزم الرجوع إليهم في تشخيص الأسباب المؤثّرة ؛ فإنّ موضوعات الأحكام الشرعيّة موضوعات عقلائيّة ، وليس لنا أن نؤسّس أسباباً غير الأسباب المعهودة لدى العقلاء .
نعم ، لو ادّعي اتفّاق العقلاء على ما مرّ كان لذلك وجهٌ ، فتكون الأسباب طرّاً في عرضٍ واحدٍ ، فلا يكون أحدها قائماً مقام الآخر ، فيلزم الرجوع إلى سوق العقلاء لنلاحظ ما إذا كانوا يقولون بصحّة العقد المبرز بالإشارة والكتابة ونحوهما أو عدم التزامهم بما ذُكر ؛ لعدم تعارفها في أسواقهم ، كما هو الظاهر .
ولذا لا يمكن شمول إطلاق أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ( « 1 » ) وتِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ( « 2 » ) لهذه الأسباب ؛ لأنّها ليست أسباباً عقلائيّة ، ما لم يقم دليلٌ خاصٌّ
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 1 .
( 2 ) سورة النساء ، الآية : 29 .