العرف : إنّه منٌّ من الحنطة إلّا مقدار حبّتين منه ، بل هو منٌّ منها ولو بالنظر العرفي الدقيق .
ثمّ إنّ الشارع قد يوافق العرف أيضاً في بعض المسامحات العرفيّة ، كما في تعيين النصاب الشرعي ؛ فإنّ نصاب الحنطة لو نظرنا إليه بالنظر العرفي الدقيق قد لا نجده خالياً من أوقية أو حقّةٍ من التبن وسائر الحبوب ، إلّا أنّ العرف قد يتسامح فيها ، ويوافقه الشارع على تسامحه ، ولابّد معه من غضّ النظر إلى أحكام العرف الدقيق ، فنقول : إنّ هذا موضوع الحكم الشرعي .
فتبيّن : أنّ ما أفاده المحقّق الخراساني ( قدس سره ) في المقام - وتبعه غير واحدٍ من الأعاظم - غير تامٍّ .
والذي ينبغي التنبّه له : أنّ الشارع المقدّس إنّما استعمل الطريقة العرفيّة في التفهيم والتعليم في خصوص تشريعاته وتبليغه للأحكام ، لا في بيان المباحث الإلهيّة والعقائديّة المعمّقة ؛ إذ تكلّم فيها على نهج كلام الحكماء المتألّهين واستدلالاتهم الفلسفيّة الدقيقة ، ولابّد في أمثالها من الرجوع إلى أهل الخبرة من الحكماء والمتكلّمين لفهم المراد ، لا إلى العرف ، وهو واضحٌ .
ومسائل التوحيد والجبر والتفويض ونحوها وإن كانت لا تُنال إلّا بالبرهان والاجتهاد ولا يصحّ فيها التقليد ، إلّا أنّه يلزم الرجوع فيها إلى أهل الخبرة كالفلاسفة لبيان المراد من الاصطلاحات الواردة فيها ، ولا يُعقل اتّباع العرف فيها البتّة . فلو ورد في روايةٍ أنّ لله ديكاً على كذا وكذا ، فهم العرف أنّه من جنس سائر الديوك ، غايته أنّ ديك الله أعظم منها ، بخلاف الحكماء المتألّهين ؛ فإنّهم يدركون منها الإشارة إلى معنى عميقٍ آخر . وعليه فيرجع العرف إلى الفلاسفة في أمثال هذه الموارد ، كما يتبّع الفلاسفة العرف في مسائل
كتاب البيع تقريراً لما أفاده السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 197
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٩٧