تعيين ماهيّة البيع وبيان مفهومه وأنّه مبادلة مالٍ بمالٍ مثلًا ، إلّا أنّنا لا يلزم علينا اتبّاعهم في موارد إيقاع المعاملات ، بل يمكن لنا إنشاؤها بأيّ فعلٍ أو قولٍ أو تصرّف ، ولو بالسعال والعطاس ونحوهما ، فنجعل سبباً ما وآلية ما ، وما اعتبرناه سبباً وآلةً حصل به مبادلة المال بالمال .
وربما يُقال : بل الأمر ليس كذلك ؛ لعدم نزول آيةٍ أو صدور روايةٍ دالّة على لزوم الرجوع في المفاهيم إلى العرف دون المصاديق . غاية الأمر أنّ الشارع المقدّس في مقام التعليم والتفهيم قد يتّخذ طريقةً خاصّةً ، إلّا أنّه تكلّم مع سائر الناس بطريقتهم المعهودة لديهم ؛ فإنّه بلّغ أحكاماً جديدةً ، ولم يأتِ بكلامٍ جديدٍ . فلو صرّح الشارع بأنّ الدم نجسٌ ، رجعنا في تعيين مفهوم الدم إلى العرف لبيان ماهيّته ، ولا يرجع في تطبيقه إلى العرف ، بل إلى الحكيم ابن سينا ( قدس سره ) ؛ باعتبار أنّ لون الدم أيضاً فيه نفس الأجزاء الدمويّة ما يكون سبباً للحياة في الحيوان ، فيكون لون الدم دماً أيضاً .
والحقّ : أنّه يلزم الرجوع هنا إلى العرف في أصل المفهوم وفي التطبيق معاً ، ومن الواضح أنّ العرف لا يرى لون الدم دماً ، مع أنّ الشارع تكلّم كما يتكلّم العقلاء ، والمفاهيم الواردة في موضوعات أحكامه وتطبيقاتها ممّا يُرجع فيه إلى العرف ، ولا يُلاحظ فيها أحكام العقل الدقّي الفلسفي .
نعم ، ليس المراد بالعرف العرف المسامحي ، بل المقصود العرف الدقيق ؛ إذ قد يتسامح العرف ليقول : إنّ المسافة من النجف إلى الكوفة فرسخٌ واحدٌ ، فيتسامح بمائة قدمٍ أو مائة مترٍ مثلًا ، أو يُقول : هذا منٌّ من الحنطة مع المسامحة بوزنه الدقيق ، مع أنّه لو سُئل عنه بالدقّة لأجاب أنّه منٌّ إلّا مدّاً أو مدّين . نعم ، لو نقصت منه حبّةٌ أو حبّتان ممّا لا يُرى إلّا بالأجهزة الدقيقة لم يقل
كتاب البيع تقريراً لما أفاده السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 196
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٩٦