أما الآية الأولى : فقد نستظهر منها أن الشياطين كفروا لأنهم يعلمون الناس السحر . وإذا كان تعليم السحر كفراً كان تعلّمه والعمل به أولى بهذه الصفة أو مثلها على الأقل .
غير أن هذا قابل للمناقشة ، لأن الشياطين في الآية موصوفون بوصفين :
أحدهما : أنهم كفروا . وثانيهما : أنهم يعلّمون الناس السحر . ولا دليل على أن إحدى الصفتين ناشئة عن الأخرى . بل إن كفر الشياطين محرز قبل ذلك وبغض النظر عنه .
وأما الآية الثانية : فلعدم وضوح الآية الكريمة بأن الكفر ناشئ من تعلّم السحر أو تطبيقه . وإنما قد يكون ناشئاً من المضاعفات النفسية والعقائدية التي تحصل من الاعتقاد بأنه يعمل بغض النظر عن قدرة الله ومشيئته ونحو ذلك .
إذن ، فالآية الكريمة غير دالة على أن السحر كفر والساحر كافر . وإنما هي دالة على تقييمات رديئة له كما سيأتي الآن .
النقطة الثانية : قوله تعالى : ( وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) .
والضمير في ( اشتراه ) يعود إلى السحر . بمعنى أن من يرغب بالسحر ويطبقه يخسر الآخرة ولا يكون له فيها أي نتيجة حسنة . وخسارة الآخرة هي الخسارة الحقيقية والكبرى أعوذ بالله تعالى من نتائج السوء .
وقد علموا بذلك عن طريق نصح الملكين لهم على ظاهر الآية ، وبالرغم من ذلك فإنهم عملوا به وطبقوه .
الأنظار التفسيرية — صفحة 517
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥١٧