وهي دالة على ذلك على عدة مستويات :
المستوى الأول : قوله تعالى : ( وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) . وما تلته الشياطين كذباً على ملك سليمان هو السحر ، فاتبّعه الناس وتعلموه ومشوا في طريقه .
ولا شك أن سليمان ( ع ) كان يفعل أموراً واقعية غريبة وليست تخيلية أو وهمية ، فلو كانت تلاوة الشياطين ، أو السحر الذي جاءوا به وهمياً ، لما كان منطبقاً على ملك سليمان ( ع ) بأي حال ولما صحّت تهمته به والناس إنما صدّقوه واتبعوه لأجل أنهم رأوا احتمال الانطباق . وإذا كان وهمياً ، فالانطباق غير محتمل أصلًا .
والناس عاشوا مع سليمان ( ع ) سنين متطاولة ، في دولة كاملة ، فلم يجدوا منه إيهاماً وخيالًا ، وإنما وجدوا منه أمور واقعية ومصاديق حقيقية غريبة . ومن خطل القول أن يقولوا : أنه كان يوهمنا في كل ذلك .
المستوى الثاني : قوله تعالى : ( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) .
وهو نصّ في منطوقه ، بعد الالتفات إلى ما قلناه قبل قليل من أن السحر لو كان وهمياً ، لما انطبق على ملك سليمان بحال .
المستوى الثالث : قوله تعالى : ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أحد حَتَّى يَقُولَا إنما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ) .
فإن من الواضح أن الكفر لا يحصل بمجرد إيقاع السحر ، حتى لو كان فيه إبطال السحر أو كان فيه نفع للآخرين . وإنما يحصل الكفر بأحد أشكال أهمها :
الأنظار التفسيرية — صفحة 514
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥١٤