والنصارى . ثم يأتي نوع من التفصيل بينهم . فقوله : ( أَحْبَارَهُمْ ) يعود إلى اليهود خاصة وقوله ( وَرُهْبَانَهُمْ ) يعود إلى المسيحيين خاصة ويكون الإشكال مرتفعاً .
على أن هناك فكرة قد تخطر على البال لأجل الاستدلال على وجود الرهبان قبل الإسلام بكثير .
وذلك : لأننا عرفنا أن الرهبان جمع راهب ، والراهب هو الذي يتخذ الرهبانية له مسلكاً . والرهبانية مساوقة مع الرهبة المودعة في القلب والنفس ، وهذا الرهبة عطاء إلهي للعبد حين يكون بدرجة معينة عليا من الكمال . ولا شكّ أن عدداً من الناس غير قليل بلغ إلى هذه الدرجة قبل الإسلام . ولا أقل من الأنبياء فإن درجة الرهبة موجودة لديهم ، كإبراهيم وموسى ( عليهما السلام ) وغيرهما ، فكيف تقول : إن الرهبة وجدت بعد المسيحية ؟
وخاصة إذا لاحظنا قوله تعالى : ( وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) « 1 » وهي دالة على وجود الرهبة في بعض القلوب من زمن موسى ( عليه السلام ) .
وجواب ذلك ، أعني ما يرفع التنافي بين الآيتين الكريمتين من وجوه :
الوجه الأول : أن يقال : إن ( لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) هم الأنبياء خاصة ، وليس يتعداهم إلى غيرهم . والأنبياء في تلك العصور كانوا كثيرين .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 154 .