الجهة الثانية : أن الآية الكريمة واضحة في أن الرهبانية هي تكليف ذلك الجيل الموجود قبل الإسلام . فهل هي شاملة للأجيال الموجودة بعد الإسلام ؟ بحيث لو قام بها الفرد قام بأمر مشروع أو مستحب أو واجب . أو أنه أصبح مقصراً تماماً تجاه الإسلام وأهله .
ونحن حين نتكلم في ذلك لابدّ أن نستقي جوابه من قواعد الشريعة التي دلّت عليها أدلتها من الكتاب الكريم والسنّة الشريفة .
ولابدّ أولًا أن نأخذ عدّة أمور بنظر الاعتبار هي بلا شك صحيحة شرعاً ، وهي تلقي ضوءاً كافياً على صحة هذا المسلك ومشروعيته ، لكن مع بعض التقييدات التي سوف نشير إليها في حينه .
الأمر الأول : أننا عرفنا أن الرهبانية معنى قريب من الرهبة . والرهبة من الصفات الجليلة للقلوب المؤمنة ، في الشريعة الإسلامية .
الأمر الثاني : أنه من قطعيات التاريخ الإسلامي : أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان ردحاً من عمره الشريف قبل نزول الوحي عليه ، يفضل مسلك الاعتزال ويتعبّد لله عزّ وجلّ في غار حراء . وربما استمرّ على ذلك سنين عديدة لا نحصيها .
ونحن نعلم أن لنا في رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أسوة حسنة بنص القرآن الكريم . لا يختلف في ذلك حاله فيما قبل الإسلام أعني نزول الوحي أو حاله بعده .
الأمر الثالث : أنه لاشك في استحباب الزهد في الشريعة الإسلامية في المأكل والملبس والمسكن ، وكفّ اللسان والفرج مهما أمكن . وهذا ممّا
الأنظار التفسيرية — صفحة 288
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٨٨