ومبتدع ، لأنه جاء بشيء لم يسبق له مثيل .
رابعاً : هذه الرهبانية التي لم يكن لها وجود قبل ذلك كما أشرنا .
وإنما السؤال الآن عن نسبتها إليهم بقوله : ابتدعوها .
وجوابه : أن القرآن الكريم في كثير من الآيات نسب الأشياء إلى أسبابها تارة وإلى الله عزّ وجلّ أخرى . فمثلًا : قال ( احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْن ) « 1 » . فالذي يحمل في السفينة هو نوح النبي ( عليه السلام ) . وقال : ( وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ) « 2 » يعني أن الذي حملهم على السفينة هو الله سبحانه .
ومثاله الآخر : ( أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ ) « 3 » . فإيجاد النار منسوب في نفس الوقت إلى الله عزّ وجلّ وإلى البشر . وهذا صحيح في الفلسفة ، كما ثبت في محله .
والرهبانية في هذه الآية الكريمة منسوبة بكلا النسبتين : فهي منسوبة إلى الله عزّ وجلّ : ( وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ) « 4 » .
وهي منسوبة إلى أصحابها بقوله : ( ابتدعوها ) ، ومثاله من بعض
هامش
( 1 ) سورة هود : 40 .
( 2 ) سورة مريم : 58 .
( 3 ) سورة الواقعة : 71 - 72 .
( 4 ) سورة الحديد : 27 .