ومن الطريف أن السيّد الطباطبائي في تفسير الميزان « 1 » نفى دلالة الآية على التشريع ، بل قرّب دلالتها على عدمه لقوله ( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) « 2 » . قال : ما فرضناها عليهم لكنهم وضعوها من عند أنفسهم ابتغاء لرضوان الله . . . وفيه إشارة إلى أنها كانت مرضية عنده تعالى وإن لم يشرعها بل كانوا هم المبتدعين لها .
وهذا فهم غريب مبني على الانقطاع في الاستثناء وهو خلاف ظاهر الاستثناء عموماً . بل الأصل فيه كونه متصلًا . ومن الواضح أننا لو قلنا في الآية : ابتدعوها إلّا ابتغاء رضوان الله . لكانت إلّا زائدة لا تفيد الاستثناء على الإطلاق بل تكون العبارة ركيكة ، وحاشا القرآن الكريم من الركّة .
وإنما يأتي مثل هذا الاستثناء عادة بعد النفي ، كما هو في الآية فعلًا . ( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ ) « 3 » . فلماذا أرجع هذه الجملة الأخيرة إلى ما هو سابق على الجملة المنفية ، وهو أيضاً مثبت غير منفي لا يصلح لرجوع هذا الاستثناء إليه . أعني قوله تعالى ( ابتدعوها ) .
فالظاهر رجوعها إلى الجملة المنفية ليكون المراد والمحصل هو الإثبات . كقوله : ما جئت إلّا لأراك . يعني : جئت لأراك . مع إفادة زائدة وهي
هامش
( 1 ) تفسير الميزان : ج 19 ، ص 173 .
( 2 ) سورة الحديد : 27 .
( 3 ) نفس الآية .