وجل ، وهو صاحب الاختيار المطلق في إبقائها لديه وسلبها عنه ، وقد اختار الله تعالى سلبها ، فلتكن مشيئته ولتتحقق إرادته .
وهنا يذهب إبراهيم إلى ولده حاملًا معه الخبر الرهيب ، لينظر ماذا يرى ، فالأمر متعلق به أكثر من أي شخص آخر ، كما أنه لا ينبغي تنفيذ الأمر دون أخذ رأيه فيه ، لا لأجل أن يكون رأيه هو الحكم الفصل في الموضوع ، فما وراء الأمر الإلهي حكم فصل ، بل لأجل الاستيناس برأيه وأخذ المشورة الظاهرة منه ، ولأجل أن يمتحن عقيدته وقدرته على التسليم للأمر الإلهي الرهيب ، ولئلا يفاجأ بذبحه على حين غرة ، وفي ذلك سير على أحسن طرق التربية الصحيحة .
ولم يتلعثم إبراهيم ، ولم ترتجف الكلمات على شفتيه ، فإن أمر الله تعالى فوق كل اعتبار ، بشكل قاطع لا يقبل الشك والتردد ، وابتدر ابنه قائلًا : ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ) « 1 » .
ويفاجأ الولد ويجفل ، وتأخذ على كيانه الرهبة ، ويعتقل لسانه عن النطق لحظة ، فهذا أبوه ، أبوه الذي أولده ورباه وتعهده بالعناية والرعاية ، يجابه بهذا القول الرهيب ، أنه يحاول بقوله هذا أن يمسك السكين ويقطع بها رقبته ، يا للهول لم يبق من حياته إلّا دقائق معدودات ! وانحبس نفس في صدره وتتابعت دقات قلبه وضاقت عليه آفاق ذهنه ، فما الذي ينبغي أن
هامش
( 1 ) سورة الصافات : 102 .