الولد الذي بلغ معه السعي ، وبذل في سبيل تربيته من التضحيات الشيء الكثير ، فيستيقظ مرتبكاً فزعاً ، يحاول جاهداً أن يذهب هذه الصورة المرعبة عن صفحة ذهنه ، ثم يفكر قليلًا فيجد نفسه أمام أمر إلهي موجه إليه بذبح هذا الولد ، وذلك لأنه نبي معصوم ، وليس من شأن المعصوم أن يحلم بحلم كاذب ؛ لأن روحه يقظة دائماً ومتصلة بالله تعالى دائماً ، وليست الرؤيا الكاذبة إلّا من قبل الشيطان ، ولا سبيل للشيطان إلى روحه القدسية ، فلابد أن تكون الرؤيا هذه صادرة عن الله عز وجل ، وما يصدر منه تعالى حقيقة لا مراء فيه . إذن فلابد أن يتحقق حلمه ، مهما كلفه الأمر ومهما أدى ذلك إلى بذل التضحيات ؛ لأنها أمر من الله عز وجل ، وأمر الله تعالى واجب الامتثال .
إنه مأمور بذبح ابنه ، هذه هي الحقيقة التي اكتشفها إبراهيم . وإنها لحقيقة مرعبة ، فإن إبراهيم لن ينسى ما بذل في سبيل ابنه هذا من مجهود وما ضحى في سبيله من جهد ومال لأجل أن يسعد ولأجل أن يكمل ولأجل أن تتسع مداركه وثقافته ، ولأجل أن يقرب من الله تعالى ويملئ قلبه توحيده والخشوع إليه ، فيشاركه في عبادته ودعائه آناء الليل وأطراف النهار ، وقد تكللت كل هذه المساعي بالنجاح بفضل الله تعالى ومنّه ، وتحقق أمل إبراهيم الكبير ، فهل من الصالح أن يذبح هذا الولد البار ، وهل من المحبّب إلى نفسه أن يقطف هذه الزهرة الغضة ويحرمها من أنفاس الحياة ، ويقطعها بيديه عن عمد وتفكير ، ولكنه أمر الله عز وعلا ، ولابد من تنفيذ أمره فإن هذه النعم كلها إنما حصلت في يد إبراهيم من قبل الله عز
الأنظار التفسيرية — صفحة 272
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٧٢