تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنظار التفسيرية — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
وبالاعتراف بوجود الله وتوحيده ، ليهدي البشر ويخرجهم من ظلمات الجهل والضلالة إلى نور العلم والإيمان ، وقد جعل أسلوب حمله وكلامه في المهد صبياً آيتان مّن الله عليه بهما ، لتأييد صدق بعثته وإتمام الحجة على قومه . وقال أيضاً تبارك وتعالى : ( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ) « 1 » ، فالمسيح إذن رسول كمن سبقه من الرسل ، وأمه صديقة لأنها امرأة صالحة مقربة من الله عز وعلا ، وقد خصها الله بهذه الكرامة حيث جعلها أماً لنبي من أنبيائه ، وأجرى عليها هذه المعجزة الفريدة ، وليس هو وليست أمه إلهين لأنهما كانا يأكلان الطعام باعتراف المسيحيين أنفسهم ، وليس من شأن الإله أن يحتاج إلى الطعام فيأكله ، وأن يكون محلًا للحوادث والعوارض التي هي من صفات الممكنات ويتنزه عنها مقام الربوبية . أنظر كيف يخاطب القرآن الناس على مقدار مداركهم ، وكيف خص الطعام بالذكر لأنه أقرب الأفعال إلى الإنسان وأدلها على الضعف والحاجة ، لما يعلمه الإنسان بما سوف يصيبه لو أمتنع عن تناوله . وأننا لنرى علماء المسيحيين ومفكريهم قد حاروا ، بعد أن عرفوا استحالة وجود أكثر من إله واحد بالفطرة والدليل العقلي ، حاروا في اتباع أي من القولين أو في تأويل ثالوثهم المقدس بشكل يرضي الحكم العقلي
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 75 .
الأنظار التفسيرية — صفحة 258 | السيد محمد الصدر