تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنظار التفسيرية — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
ويبدأون بالاعتقاد بأن هذا التمثال ليس إلّا تمثالًا لإله الكون الذي يدركونه ويخافونه بفطرتهم . وأما الاعتقاد بوجود آلهة لكل ظاهرة كونية ولكل معنى من معاني الكمال ، كما كان شائعاً في بلاد اليونان القديمة ، فهناك - بزعمهم - إله للريح وإله للمطر وإله للأرض وإله للبحر ، كما أن هناك إله للجمال وإله للحب وإله للخير من ناحية أخرى . فلعله ناشئ من اعتقاد هؤلاء البشر ، من قصر نظرهم وسوء تفكيرهم ، بأنه يناسب أن تكون ظاهرة كونية إلهاً مستقلًا منفرداً بإرادتها وتدبيرها ، بزعم عدم إمكان صدور هذه الظواهر المتعددة جميعاً من إله واحد . وقد كان اعتقاد هؤلاء الناس بالأرواح والعفاريت ، واعتقادهم أن لها أعمالًا تقوم بها لإزعاج البشر ومضايقتهم ، الأثر الكبير في تأكيد هذه العقيدة في نفوسهم ، ومن ثم نرى أن هناك خلطاً كبيراً في أذهان هؤلاء بين تلك الأرواح وهؤلاء الآلهة ، فليست الآلة في نظرهم إلّا نوعاً من تلك العفاريت والأرواح . أما بالنسبة إلى الاعتقاد بوجود آلهة لكل معنى من معاني الكمال ، فقد يكون ذلك ناشئاً من تداعي المعاني الذي سبق إن أشرنا إليه ، من أن الذهن ينتقل في تصور الكمال الناقص الذي يراه إلى تصور الكمال المطلق ، ولكنهم إنما تصوروا الكمال لكل معنى على حدة . وهذا مشابه لنظرية المثل الأفلاطونية التي بزغت في ذلك المحيط نفسه ، ولعلها تأثرت وأثرت في هذه العقائد ، وفحواها ان لكل نوع من الأنواع فرداً كاملًا
الأنظار التفسيرية — صفحة 255 | السيد محمد الصدر