تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنظار التفسيرية — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
هذا الحد الفاصل في نظر العقل هو هذه القضايا البديهية الفطرية مثل : لابدّ لكل ممكن من علة ، والنقيضان لا يجتمعان ، والكل أكبر من الجزء ، والعقل بمجرد أن يدرك معنى الممكن ومعنى العلة فإنه يحكم بضرورة العلة بالنسبة إلى الممكن ، وبمجرد أن يتصور معنى النقيضين فإنه يحكم باستحالة اجتماعهما ، وبمجرد أن يتصور معنى الكل والجزء فإنه يذعن بأن الكل أكبر من الجزء ، مستمداً إذعانه من فطرته الطبيعية . بعد هذه المرحلة من البحث ، وبعد أن عرفنا ما يجب أن نفهمه من الفطرة ينبغي أن ننظر في صحة تقسيمها إلى هذه الأقسام الثلاثة ( أولًا ) ، ثم إلى مدى تأثير الفطرة بأقسامها في الإيمان بالعقيدة الإلهية وعقيدة التوحيد ( ثانياً ) ، ثم إلى مدى تأثير هذه الأقسام بعضها ببعض ، ومدى تأثرها بالبرهان الصحيح وبما جاء به الإسلام من ناحية ( ثالثة ) . أما بالنسبة إلى صحة تقسيم الفطرة إلى هذه الأقسام ، فمن الوضوح استقلال القسم الأول وقيامه بنفسه في مقابل القسمين الآخرين ، ولكنه قد يثار الشك حول استقلال القسم الثاني ، من حيث احتمال اندماجه في القسم الثالث لأن الفطرة الكونية إنما نشأت من إدراك الإنسان بفطرته العقلية أنه لابدّ لكل معلول من علة ، فهي إذن مندرجة في القسم الأخير وليست قسماً مستقلًا في نفسه . ولكن يمكن الجواب على ذلك بأن نشأة الفطرة الكونية من قانون العلية العقلي ، وإن كان صحيحاً إلّا أنه لا يعني اندماجه في القسم الثالث ، فإن مظاهر الكون ونهايته قد أثارت في الإنسان الإعجاب والإحساس