تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنظار التفسيرية — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
وآمن إيماناً عميقاً بأن وراء هذه الحوادث الجارية ووراء هذه الأكوان العظيمة خالقاً جباراً قادراً وعقلًا مدبراً حكيماً ، خلق هذا الكون وبسط عليه قدرته وأعمل فيه حكمته ، فبدا للناظرين بهذه الحلة القشيبة الناظرة . ووجود الفطرة لدى الإنسان أوضح من أن يحتاج إلى برهان ، فإنه يكفي للاستدلال عليها رجوع الإنسان إلى نفسه ونظره إلى باطن ضميره ، فإنه سوف يجد نفسه خاضعاً لهذه الفطرة منقاداً لندائها انقياداً تلقائياً ، فإن من فطرة الإنسان مثلًا أن يتساءل عن مصدر الصوت إذا سمعه ، ولن يحتمل أن هذا الصوت قد ثار من تلقاء نفسه ، وإن هذه الفطرة لتبدو في الكون بصورة أوضح وأظهر حيث التنظيم الرائع والجمال البديع والدقة المتناهية ، تلك المناظر التي تثير في النفس روعة وإعجاباً وتوحي إليها بوجود تلك العلة اللانهائية الحكيمة التي أوجدت هذا الكون وقامت بهذا التنظيم . وإنّا لنرد بالإنسانية إلى عصورها الأولى فنستعرضها عصراً عصراً ومجتمعاً مجتمعاً ، فلا نجد إلّا أقواماً قد أدركوا للكون خالقاً ، وأن لهذا التنظيم مدبراً ومنظماً ، كل حسب أفق تفكيره وسعة مداركه وثقافته ، وليس الإلحاد إلّا نابعاً من جملة أشياء متراكمة من المصالح والغرائز والمسبقات الذهنية والثقافات المادية التي تخرج بالإنسان عن طريق فطرته ، وتسلك به طريقي الضلال والفساد ، وحتى أولئك المفكرين الذين يبجحوا بأنهم ملحدون وبأن قانون العلية لا يقوم على أساس ، ومن ثم حاولوا أن يصوغوا من النظريات التي تبرر خلق هذا الكون من العدم ، ما يعوض عن هذا القانون القتيل ، ولكنهم في محاولاتهم هذه لإيجاد مثل هذه النظريات ، قد