تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنظار التفسيرية — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
الملكات بتكوين النفس وأدخلها بوجودها ، ولن يضير الفطرة خفاءها ولا سذاجتها ، لأن الله عز وجل إنما خلقها في النفس لكي توحي بمستلزماتها وأوامرها إلى العقل لكي يقوم العقل بدوره بما ينبغي أن يقوم به من إدراك الحق ورفض الباطل ، وكأنه يقوم به من تلقاء نفسه بدون أي إيحاء أو تأثير ، وليس للعقل حاجة إلى الالتفات إلى الفطرة بعد أن يكون قد أطاع أوامرها ونواهيها ، بل لعل خفاء الفطرة أبعث على إيمان العقل واطمئنانه ، مما إذا كان ملتفتاً إلى مصدر الصوت وعارفاً به ، لأنه يظن أنه يدرك ذلك من تلقاء نفسه . أما ما تدركه الفطرة الذاتية من العقيدة الإلهية ، فقد سبق أن أشرنا إلى المقدار الذي تدركه النفس من علتها الأولى ، وأوضحنا كيف أن ذلك مساوق لوجودها ولإدراكها لنفسها ، وهي إنما تدرك علتها بالقدر الذي تسمح به الحصة الوجودية التي تتصف بها ، فالنفس إذن تدرك وجود الله عز وجل إدراكاً تلقائياً ذاتياً ، كما تدرك نفسها وأفعالها ، لأنها معلولة له عز وعلا ومن فيض وجوده وإحسانه . أما بالنسبة إلى إدراك الفطرة الذاتية لعقيدة التوحيد ، فإن لهذا الإدراك مرتبة أعمق وأكثر غموضاً في باطن النفس ، بل أن تسميتها إدراكاً لا يخلو من مسامحة في التعبير ، فإن النفس - كما سبق - تدرك علتها من خلال حصتها من الوجود ، وذلك يعني أنها لا تدرك لها علتين ، فالفطرة وإن لم تكن تدرك بوضوح أن علتها واحدة ، ولكنها في واقع أمرها لا تدرك إلّا علة واحدة ، وهذا هو نوع من الإدراك لعقيدة التوحيد ، وهذا يعني أن عقيدة
الأنظار التفسيرية — صفحة 249 | السيد محمد الصدر