النفس موجودة ، فهي تشعر بذاتها ، أي بالحصة الوجودية التي تتصف وتختص بها ، من دون كل الموجودات ، وهي تشعر بعلتها بلحاظ هذه الحصة من الوجود التي تتصف بها ، فهي تدرك علتها من خلال هذه الحصة وعلى مقدارها ، ومن ثم فهي لا تدرك علتها على سعتها وشمولها ، وإنما تدركها بالقدر الذي يسمح لها وجودها أن تدركه وهي تدرك معلولاتها ، وهي الأفعال التي تقوم بها النفس بصورة مباشرة ، كالأفكار والخيالات والصور الذهنية ، وحركات الجسم ما دامت الحركة موجودة .
وليست معرفة النفس بهذه الأمور إلّا معرفة بسيطة ساذجة وإدراكاً صرفاً غير مشعور به ، وهي ما يسمى بالعلم الحضوري ، في مقابل العلم الحصولي وهو العلم المركب المشعور به ، وبذلك بأن يشعر الإنسان بأنه يشعر ويعلم بأنه يعلم .
وهذا القسم الثاني من العلم هو الذي نفهمه عادة من لفظة العلم ، لمدى وضوحه في النفس لأنه علم مشعور به .
الفطرة الكونية
وأما الفطرة الكونية فهي ما يجده الإنسان في نفسه من الاندفاع إلى التساؤل عن علة كل ما يقع عليه بصره وسمعه وسائر حواسه ، وما يعتقده من أن لكل حادث سبباً ولكل ممكن علة ، وإن من لغو القول إن نقول بأن شيئاً ما خرج من العدم إلى الوجود هكذا وبدون أي سبب ولا فاعل ، فالإنسان عندما واجه هذا الكون ورأى غريب صنعته وبديع شكله ودقيق قوانينه ونظمه ، أخذت هذه الأمور بلبه وحيرت عقله ، وخضع خضوعاً تلقائياً فطرياً