جميعاً بالنظر فيهما والتدبر في شأنهما لعلهم يهتدون ، لم يطلب منهم شيئاً فوق طاقتهم ولا كلفهم الخروج عن طبيعتهم ومن آفاق تفكيرهم ، ولم يأمرهم في سبيل البرهنة عليها أكبر من الرجوع إلى صميم ضمائرهم وتلمس حقيقة فطرتهم ، ليجدوا هناك جذوة الإيمان متقدة في الأعماق تنشر دفء الإيمان وحرارة اليقين في ربوع النفس ، فالنفوس كلها مطبوعة على الحق ومفطورة على الاعتراف بوجود الله تعالى والخضوع له ، وعلى الإيمان بتوحيده .
فالدين إذن فطرة أودعها الله عز وجل في نفس الإنسان لترشده إلى الحق ولتهديه إلى الصراط المستقيم ، ومن ثم كان الخلق وكان الدين أمراً فطرياً قد جُبِل عليه الفرد في أصل تكوينه وخلقته ، ومن ثم أيضاً كانت النفس هي الهادية والمرشدة إلى ذلك الحق لمن يصغي إلى ندائها ويستجيب لأمرها ، ولم يكن لأحد إنكار هذا النداء أو التمرد عليه ، فضلًا عن تغييره والتصرف بمحتواه ، فإنه فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، وإن الإنسان لأعجز من أن يغير من ذلك شيئاً إلّا إذا استطاع أن يغير شيئاً من واقعه التكويني .
ولا شك أن هذا النداء الصادر من أعماق النفس ، هو ألصق النداءات بالإنسان وأبلغها أثراً في نفسه ، وان الوصول إلى الحق عن هذا الطريق لهو أيسر الطرق وأسهلها ، لذا فقد كان الاعتراف بالإسلام وبعقائده سهلًا يسيراً وموافقاً للبداهة والفطرة ، وللبرهان العقلي الصحيح ، هذه هي حكمة الإسلام ، وهذا هو المغزى العميق الذي أشارت إليه الآية الكريمة .
الأنظار التفسيرية — صفحة 242
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٤٢