ذو حركة عالمية وقدرة واسعة ، وممثل لأفضل أشكال الاتجاه المؤمن ، هو الإسكندر ذو القرنين .
وقد شكى المجتمع المتضرر لهذا القائد من حملات أولئك البدائيين :
« قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً »
« 1 » أي أجرة ، لكي تكفينا شرهم وتكسر شوكتهم .
وقد استطاع هذا القائد الكبير أن يعلن دعوة اللّه في الأرض ، ويحصر نشاط ذلك المد المادي في أضيق نطاق ، وأن يعيد المجتمع البشري إلى سابق عهده ، من كون الاتجاه المسيطر هو الشكل الثاني للايديولوجية ، ويبقى الاتجاه الأول اتجاها شخصيا متفرقا .
وقد اتخذت تدابير ذي القرنين في هذا الصدد ، شكلين أساسيين :
الشكل الأول : بناء السد الموصوف في القرآن الكريم المتكون من الحديد والصفر .
وهو يحتوي على الحماية ( العسكرية ) من هجمات القبائل البدائية الملحدة .
الشكل الثاني : بناء السد المعنوي في المجتمع المؤمن ، وزرع المفاهيم وقوة الإرادة الكافية ضد الانحراف والفساد .
ولعل في الإمكان مع بعض التوسع في فهم القرآن الكريم ، أن نحمل السد الموصوف فيه على السد المعنوي الذي يفصل بين الحق والباطل . وان الحديد والصفر عبارة عن مكوناته المفاهيمية . إلا أننا نعرض ذلك كاطروحة محتملة ، على غير اليقين . . . وإن كان ذلك ممكنا في لغة العرب . ولكننا سنسير بهذا الاتجاه ريثما تتم هذه الأطروحة .
« قالَ : ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ »
مما لديكم من المال والحطام ، بعد أن مكنه اللّه تعالى من الملك والهداية معا .
وكان السد الذي بناه ذو القرنين ، ضخما ومهما ، إلى حد يكفي لكبح جماح البدائيين الملحدين ورد عاديتهم ،
« فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً »
. فإن الاتجاهات الملحدة تكون دائبة في نشر عقيدتها واختراق السد الإيماني وقهر قوة الإرادة والإخلاص عند المؤمنين . إلّا أن سد ذي القرنين ، كان منيعا لا يمكن لهذه الاتجاهات أن تؤثر فيه .
ولكنه على أي حال ، لم يستطع القضاء عليه نهائيا ، بل بقي بوجوده الضعيف مؤثرا في المجتمع الإنساني بمقدار ما يستطيع
« وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ »
. ولم يكن
هامش
( 1 ) الكهف : 18 / 94 .