مرت البشرية ، بحسب ما هو المقدر لها في التخطيط الإلهي العام ، بشكلين منفصلين من الإيديولجية .
الشكل الأول : الاتجاه الذي ينفي ارتباط العالم بخالقه بالكلية . ونستطيع أن نسميه بالمادية المحضة أو الإلحاد التام .
الشكل الثاني : الاتجاه الذي يربط العالم بوجود لخالقه ، بشكل وآخر .
ولكل من هذين الاتجاهين فروعه وانقساماته التي تختلف باختلاف المستوى العقلي والحضاري للمجتمع البشري .
ويمكن القول بأن تاريخ البشرية على طوله عاش في الأعم الأغلب الاتجاه الثاني ، بمختلف مستوياته ، نتيجة لجهود الأنبياء وتربية الصالحين . ومهما فسد المنحرفون والمصلحون ، فإنهم لم يخرجوا عن الاعتراف الغامض بالخالق والحكيم . ويكفينا مثالا على ذلك قوله تعالى على لسان مشركي قريش :
« ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى »
« 1 » فهم بالرغم من تطرفهم في الفكر ، مؤمنون بالخالق ، ومن ثم مندرجون في الاتجاه الثاني . وعلى هذا الغرار .
يقابل ذلك ، الاتجاه الأول الرافض لوجود الخالق تماما . . . والمعطي زمام قيادة الإنسان بيد نفسه ، بالرغم من قصوره وتقصيره .
ولم يوجد على مر التاريخ لهذا الاتجاه وجود مهم ، فيما عدا الافكار الشخصية المتفرقة في التاريخ . . . ما عدا مرتين - فيما نعرف - : المرة الأولى : الاتجاه المادية البدائية ، المتمثلة بشكل رئيسي في قبائل يأجوج ومأجوج . والمرة الثانية : اتجاه المادية الحديثة المعاصرة ، بمختلف أشكالها وألوانها .
وقد كان المد المادي الأول خطرا وبالغ الضرر ، على ذوي الاتجاه الثاني عموما ، وبخاصة تلك الشعوب الصالحة المتبعة لدعوات الأنبياء . ولعل القسط الأهم من الضرر لم يكن هو الإفساد العقيدي ، وإن كان هذا موجودا من أولئك الملحدين البدائيين . . . وإنما الأهم من أشكال الضرر هو الضرر الاجتماعي والاقتصادي وأشكال القتل والنهب الذي كانت توقعه القبائل البدائية الملحدة على المجتمع المؤمن .
ومن هنا ، خطط اللّه تعالى للقضاء الحاسم على هذا المدّ الواسع ، بإيجاد قائد كبير
هامش
( 1 ) الزمر : 29 / 3 .