ثُمَّ إنَّه يمكن أن يُراد بالغيب في قوله تعالى : وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ الغيب الثبوتي ، ويمكن أن يُراد به الغيب الإثباتي . والغيب الثبوتي عبارةٌ عن عالم الغيب الموجود في علم الله تعالى ، فيعلمه الله سبحانه ، ولا نعلمه نحن ، والغيب الإثباتي عبارةٌ عن بيان المغيّبات .
وقد فهم المشهور من الغيب في الآية الغيب الإثباتي الذي هو عبارة عن كشف وبيان الرسالة والأحكام التي أُوحيت للنبي ( ص ) .
وعلى كلا التقديرين فمدخول الحرف ( على الغيب ) قد يكون ظاهراً ، وهو الغيب نفسه ، وقد يكون مقدّراً ، كالبيان والإظهار ، فيكون المعنى : وما هو على إظهار أو بيان الغيب بضنينٍ بتقدير مضافٍ .
ولا يخفى : أنَّ الإظهار قد يكون بالكلام ، كما عليه فهم المشهور ، أي : إنَّه يبيّن وجود الجنّة والنار والقيامة ، وقد يكون بالكشف الصوري ، وقد يكون بالكشف الحقيقي ، وهذا من الأسرار ، فلا يناله إلّا من وصل إليه . وما ذكر كلّه ممّا يختصّ به النبي ( ص ) بحقيقته العليا ، إلّا أنَّه كريمٌ به لمن يستحقّه ، وبخيلٌ به عمّن لا يستحقّه . ومعه تتحصّل معانٍ كثيرة جدّاً من هذه الآية لا مجال لاستقصائها ، بل نوكلها إلى فهم القارئ ؛ لأنَّ المقام يطول بنا إذا شرحنا بعضها فضلًا عن ذكر كافّة معانيها ، بل يكفي أن نفهمها فهماً رياضيّاً بضرب رقمٍ برقمٍ ، ليكون المجموع هو فهم الآية .
* * * * قوله تعالى : وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ :
قال الراغب : الشيطان النون فيه أصليّة ، وهو من شطن ، أي : تباعد ، ومنه بئر شطون ، وشطنت الدار ، وغربة شطون . وقيل : بل النون فيه زائدةٌ من
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 97
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٩٧