تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
الوجه الثامن : أنَّه مع التنزّل عن الوجوه السابقة يلزم القول بعدم الجواز في لغة ( أكلوني البراغيث ) ، إلّا أنَّ سياق الآية يختلف عن سياق ( أكلوني البراغيث ) ؛ لأنَّه أفاد في الآية : لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ؛ إذ قد تطرأ بعض السياقات على الكلام ، فتوجب الجواز ، كما في الاستثناء في الآية ، كما نقول : ( ما أكلوني إلّا البراغيث ) ، وهذا سياقٌ صحيحٌ عرفاً ولغةً . كان الكلام فيما تقدّم عن المستوى الأوّل الذي هو بمنزلة الحديث عن الكبرى في تصحيح أو عدم تصحيح ما يسمّى بلغة ( أكلوني البراغيث ) . وأمّا المستوى الثاني - أعني : الحديث عن الصغرى وتطبيق ذلك على الآية الكريمة - فيمكن الإشارة فيه إلى ثلاثة وجوهٍ : الوجه الأوّل : أنَّ المصلحة هنا تقتضي الاستدلال الذوقي والعقلي ، وهو أحسن الوجوه المحتملة في سياقات الآية . وبيانه : أنَّ قوله : لَا يَتَكَلَّمُونَ كأنَّه وقع في مقابل قوله : لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً ؛ فهناك نحوٌ من المشابهة والانسجام بين الفعلين ، ولو قال : ( لا يتكلّم ) أي : بالمفرد لانتفت هذه المشابهة ولخالف الذوق الفني أو الأدبي . الوجه الثاني : أنَّ الفرد قد يكون مسبوقاً ذهنياً بالكثرة الموجودة في سياق الآية ( الروح ، الملائكة ، يملكون . . . ) ، فلا يناسب مفاجئته بالمفرد بقوله : ( لا يتكلّم ) ، بل الأنسب حفظ سياق الكثرة . الوجه الثالث : الإشعار بعموم المنع للجميع لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا والإشارة إلى الجميع ، لا إلى واحدٍ على نحو الترديد أو التعيين ، وهذا الإشعار يكون أوضح مع وجود ضمير الجمع . فلو كانت الإشارة بضمير المفرد ( لا يتكلّم ) لارتفع هذا الإشعار قطعاً ، وربما يتوهّم كون الممنوع بعضهم لا كلّهم .