الأُطروحة الخامسة : أنَّ هذا اليوم المشار إليه في الآية حادثٌ باستمرار ، ولا يتجدّد كما يفهم المتشرّعة ومشهور المفسّرين ، لا سيّما إذا لم نفهم من القيام والاصطفاف المعنى العرفي المباشر ، وإنَّما نفهم جهات أُخر ، كما لو فهمنا النسبة بين الخالق والمخلوق ، فيكون القيام لحاظ الفاعل ، أي : لحاظ الخالق ؛ لأنَّ الخالق هو القاهر والمخضع - بمعنىً من المعاني - والمخلوق هو المقهور والخاضع ، والمجموع هو لحاظ النسبة بينهما . وما ذُكر ليس إلّا أُطروحةً في المقام .
وقد نفهم أُموراً أُخرى ، كما لو كان المراد من القيام نسبة شعور العبد بربّه ، والمراد بالاصطفاف نسبة شعور الربّ بعبده أو بالعكس - لو صحّ التعبير - فكلّ الخلق مصطفّ أمام الله تعالى لا محالة ، وهذا حاصلٌ باستمرار لا في يوم خاصٍّ ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
وقد انقدح : أنَّ ما سوى الله لا يملك خطاباً من الله تعالى ولا يتكلّم بين يديه ، وهذه الصفة ثابتةٌ دائماً وباستمرارٍ ، أي : لا يملكون منه خطاباً ، ولا يتكلّمون إلّا من أذن له الرحمن ، فهي أزليّةٌ بلا اختصاصٍ لها بيومٍ خاصٍّ ، بما في ذلك أكابر الملائكة والأنبياء ، فضلًا عن غيرهم ، وبما في ذلك عالم الأمر وعالم الخلق ، جلّ جلال الله .
ومن هنا يتّضح أنَّ قوله : لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً وقوله : لَا يَتَكَلَّمُونَ إشارةٌ إلى حالة ثبوتيّة واحدة أو متلازمة ، أو أنَّ قوله : لَا يَتَكَلَّمُونَ إيضاحٌ لقوله : لَا يَمْلِكُونَ : ويمكن بيان الفرق بينهما في ضوء الأُطروحات التالية :
الأُطروحة الأُولى : أنَّ قوله : لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً خطابٌ من الله لعبده ، ولا يملكون أن يخاطبهم الله ، أي : لا يملكون منه وحياً أو إلهاماً ، والثاني - أي : قوله : لَا يَتَكَلَّمُونَ - خطاب العبد لربّه ، أي : لا يتكلّمون أمام
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 580
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٨٠