الخلق بالجانب غير المادّيّ منه ، وهو الملائكة ؛ لاتّضاح أنَّ المادّة غير صالحةٍ لهذا الموقف العالي الذي يقومون فيه بين يدي الله ؛ باعتبار تدنّيها في عالم الوجود . كما أنَّه تعالى قدّم الروح على الملائكة يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ فقدّم الأشرف منهما ، وهو عالم الأمر الذي فيه الروح .
بقي أن نفهم السياق العامّ للآية ؛ فإنَّها احتوت على أمرين ، وهما القيام والاصطفاف : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً ، فما هي النسبة بينهما خارجاً ؟ وفي المقام عدّة أُطروحاتٍ :
الأُطروحة الأُولى : أن يكون الصف مقيّداً ( بالكسر ) للقيام ، أي : يقومون صفّاً ، ويكون المراد أنَّ هذا المجموع المتكوّن من الروح والملائكة - أيّاً كان معناه - قائمٌ صفّاً ، أي : هم مصطّفون لله ربِّ العالمين حال كونهم قياماً ، ولعلّ هذا هو فهم المشهور .
الأُطروحة الثانية : أنَّ الروح تقوم ، والملائكة يصطفّون ، وليس في الآية ما يدلّ على أكثر من ذلك . قال تعالى : يَقُومُ الرُّوحُ ثُمَّ قال : وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً ، والواو حاليّة ، وما بعدها مغايرٌ لما قبلها ، فيكون قيام الروح حال اصطفاف الملائكة .
وفي ذلك نقول : إنَّ الملائكة والروح موجودون معاً - كما هو فهم المشهور أيضاً - فيرى بعضهم بعضاً ويعلم بعضهم ببعض .
الأُطروحة الثالثة : أن نلتزم بالأُطروحة السابقة ، مع افتراض أنَّ بعضهم لا يرى البعض الآخر ، أو قل : هما من عالمين مختلفين لا من عالمٍ واحدٍ ، ومَن كان في العالم الأدنى لا يطَّلع على من في العالم الأعلى .
الأُطروحة الرابعة : أنَّ المراد بيان اصطفاف الروح مع الملائكة ، مع قطع النظر عن أفراد الروح وأفراد الملائكة ، وهو ليس ببعيدٍ عن ظهور الآية المباركة .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 579
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٧٩