الأُطروحة الأُولى : أنَّ يكون المتكلّم هو الله تعالى ، والسامع هو الخلق أو بعض الخلق الذين يرجع إليهم الضمير في ( يملكون ) . ولعلّ هذا هو الأقرب إلى ظهور الآية ، فلا يملكون منه خطاباً ، أي : لا يخاطبهم الله تعالى ، أي : لا يأتي إليهم منه خطابٌ أو حديثٌ ، ولا يقدرون على ذلك .
الأُطروحة الثانية : عكس الأُطروحة الأُولى ، فيكون المتكلّم هو الخلق ، والمخاطب هو الله تعالى ، وهذا التكلّم منفي بحسب الآية ؛ لأنَّ كلام الخلق في ذلك الموقف الرهيب منوطٌ بالإذن ، وهم لا يملكونه . ومن هنا نلتفت إلى أنَّ الضمير في ( لا يملكون ) لا يرجع إلى أهل الجنّة ؛ إذ رجوعه إليهم صفةٌ يتعذّر نسبتها إليهم ، كما لا تتناسب مع سعادتهم . والظهور الأوّلي في مرجع الضمير وإن كان هو المتّقين المذكورين في قوله تعالى : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ، إلّا أنَّ ذلك يصطدم بالمحذور الذي ذكرناه ، فيتعيّن أن يكون المرجع غير أهل الجنّة . وليس في هذه العبارة إلّا قوله : رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، وفي هذا المجموع أفرادٌ من الخلق متّصفون بالعقل والإدراك ، ولديهم القابليّة للمخاطبة ، وهم لا يملكون منه خطاباً ، وهذا لا محذور فيه .
والوجه فيه : أنَّ مرجع الضمير يعرف من السياق القائل : ( ربِّ السماوات والأرض وما بينهما ) ، وهذه المنطقة الضخمة الهائلة من العالم فيها ذواتٌ مدركةٌ وعاقلةٌ من أنواع ومستويات متنوّعة من الإدراك ، بما فيها من الإنس والجنّ والملائكة والحيوان والخلق الذي لا نعرفه ، فهؤلاء كلّهم لا يملكون منه خطاباً .
ونضيف هنا : أنَّه على كلا الأُطروحتين يدلّ ذلك على قصورهم - أيّاً كانوا - عن نيل هذه الرحمة وتلقّي هذه المنزلة ، فلا يملكون منه الخطاب ؛
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 565
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٦٥