قوله تعالى : رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً :
لقد تقدّم سابقاً : أنَّ منهجنا لا يقوم على تفسير كلّ شيءٍ في الآية ، بل الغرض التنبيه على جهاتٍ معيّنةٍ من البحث وبيان أبعادها العلميّة .
وفي هذه الآية نتطرّق إلى عدّة أُمورٍ :
الأمر الأوّل : أنَّ القرآن الكريم في استعماله لسياق السماوات والأرض يلحظ السماوات شيئاً واحداً في مقابل الأرض ، ولذا يقول : ( وما بينهما ) ، وكأنَّما لاحظ السماوات مفردةً في مقابل الأرض ، فأرجع الضمير إلى صيغة المثنّى ؛ إذ لو لاحظ كثرة السماوات للزم أن يعود الضمير جمعاً مؤنّثاً ، فيقول : ( بينها ) .
والحاصل : أنَّ السماوات حينما ترد تلحظ كمجموعٍ وكأنَّها شيءٌ واحدٌ ، وهذا لا كلام فيه ، فيمكن لحاظ الكثير واحداً ، وهذه نكتةٌ عقليّة وأدبية ، وهي جائزةٌ بلا إشكالٍ .
الأمر الثاني : أنَّه قد يخطر في الذهن أنَّ الأرض صغيرةٌ جدّاً بالنسبة إلى السماوات ككلّ ؛ إذ مجموع السماوات من العظمة والضخامة بمكان قد لا يتصوّره العقل ، والأرض شيءٌ صغيرٌ وضئيلٌ جدّاً بالنسبة إلى هذا المجموع الهائل ، فلا يمكن أن تؤخذ بنظر الاعتبار بإزائها إطلاقاً ، فما هو الوجه في هذا التعاطف ؟
ويمكن الجواب عن ذلك بعدّة مستويات نقتصر منها على جواب واحد حاصله : أنَّ ورود هذه الاستعمالات القرآنيّة من باب ( كلّم الناس على قدر عقولهم ) ، والقرآن ورد لتفهيم الناس أجمعين بلسانٍ عربي مبينٍ ، أي : بلسانٍ
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 562
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٦٢