إذا كثر كذبُه ، فيكون اسم الفاعل منه - وهو كذَّاب - بمنزلة صيغة المبالغة ، ومصدره كِذاب في مقابل كَذِب بالتخفيف ، فهو كاذبٌ .
وإذا فهمنا من ( كذّاباً ) كثرة الكذب ، كان بياناً ، أي : تكون الآية بياناً لعدم كثرة الكذب ، أو لعدم وجوده أصلًا ، لكن ليس فيها مفهوم مخالفة يثبت القليل .
* * * * قوله تعالى : جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً :
الجزاء أعمّ من الثواب والعقاب ، فلابدّ من إقامة قرينةٍ على أنَّ المورد من جزاء الخير لا جزاء الشرّ ، وهي قوله ( عطاء ) ؛ لأنَّ هذه الكلمة تختصّ بالثواب ، فتكون قرينةً متّصلةً على إرادة الثواب من الجزاء .
فإن قلت : إنَّ هذا غير تامٍّ ؛ لوجود قرينةٍ أُخرى أوضح من هذه القرينة ، وهي الوصف السابق عليها للجنّة من الحدائق والكواعب وغيرها ، فيكفي أن نعلم من ذلك أنَّ المراد من الجزاء هو الخير والثواب .
قلت : نعم ، لكن تبقى قرينة ( عطاء ) في محلّها : إمّا لأجل التأكيد وزيادة الإيضاح ، وإمّا لأجل إفادة صفةٍ جديدةٍ لم تكن في آية الحدائق والكواعب ؛ فإنَّ العطاء له معنى سامٍ .
ويمكن أن يُستفاد من مدلول العطاء أحد مستويين :
المستوى الأوّل : أنَّ الله تعالى يعطي وهو قادرٌ على المنع ، فأراد أن يلفت إلى هذه الجهة ، وهو أنَّه يُعطي في الوقت الذي له أن يمنع .
المستوى الثاني : أنَّ الله يعطي أكثر من الاستحقاق ، كما في قوله تعالى : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ « 1 » ، وهذا لا يعني أنَّه يعطي أكثر من التحمّل والطاقة ، بل
هامش
( 1 ) سورة ق ، الآية : 35 .