وعلى أيّ حال فقد يدور الأمر بين إشكالين :
الأوّل : أن يرجع الضمير إلى لفظٍ غير مذكورٍ في العبارة ، وهو الجنّة .
الثاني : أن يرجع إلى مذكّر ، وهو المفاز . وقد أجبنا عن كلا الإشكالين في التقريبات السابقة .
وأمّا إذا قلنا : إنَّ الإشكالين واردان فاللازم إرجاع الضمير إلى بعض الألفاظ المؤنّثة في السّياق نفسه ، كالحدائق والكواعب ، فيكون المراد : أنَّهم لا يجدون في الحدائق لغواً ولا كذّاباً . . . وهكذا .
وهنا أُطروحةٌ أُخرى هي : إرجاعه إلى كلا المعنيين ، أي : الحدائق والكواعب : إمّا على نحو المجموع ، أي : لا يجدون في مجموع الحدائق والكواعب لغواً ولا كذّاباً ، وهو وجيهٌ في نفسه ، إلّا أنَّنا نعتبره أُطروحةً شاذّةً ، أو يعود إلى أحدهما على نحو الإيهام الإثباتي الذي أسّسناه في علم الأُصول .
الخطوة الأُخرى في تفسير الآية هي : أنَّ عدم سماع اللغو والكِذّاب - وهو الكلام المتدنّي في الجنّة - لا يلازم سماع الكلام الحَسن والطيّب ؛ لأنَّ هناك بديلًا ثالثاً ، وهو الصمت . نعم ، لو فُرض أخذ وجود الكلام مسلّماً ونفينا عنه التدنّي ، لكان الكلام الحَسن والطيّب متعيّناً حينئذٍ . إلّا أنَّه لم يثبت وجود كثرة الكلام في الجنّة ، بل الآية بنفسها تدلّ على قلّة الكلام ؛ لأنَّ من جملة تفاسير اللغو هو الثرثرة والكلام الكثير ، فعندما يُقال : إنَّهم لا يجدون لغواً ، كان المراد : أنَّهم لا يجدون كثرة الكلام .
وقيل : « مَن كثر كلامه كثر سقطه » « 1 » . وفي الحكمة : خير الكلام ما قلّ
هامش
( 1 ) الأمالي للشيخ الصدوق : 543 ، المجلس 81 ، الحديث 3 ، غرر الحكم : 212 ، الحديث 4121 ، إرشاد القلوب 104 : 1 ، الباب 27 ، وغيرها .