ودلّ « 1 » . ونحن نجد أنَّ الفرد كلّما كان أكثر ورعاً في الله وأكثر ذكراً له تعالى ، كان أقلّ كلاماً . والمؤمن يُفترض أن يكون هذا حاله في الجنّة ، كما نعلّم أنَّ الكلام الكثير في الدنيا لأجل الحاجات الكثيرة ، كالتعامل مع الناس وإشباع حاجات النفس الأمّارة بالسوء ، وكلّ ذلك لا موقع له في الجنّة .
وأفاد العكبري : أنَّ لَا يَسْمَعُونَ حالٌ من الضمير في خبر إنَّ الوارد في قوله تعالى : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً ؛ لأنَّ مفازاً اسم إنَّ مؤخّرٌ « 2 » ، ولِلْمُتَّقِينَ خبرها ثُمَّ قال : ويجوز أن يكون مستأنفاً « 3 » . وذلك يعني : أنَّ الجملة مستأنفةٌ لا حالٌ من المتّقين ، والغرض : أنَّها خبر في موضع رفع لمبتدأ محذوفٍ تقديره هم . وهذا مبني على أنَّ المشتقّ فيه ضميرٌ لا فعلٌ فقط ، وإلّا فلا معنى لعود الضمير . الّلهمّ إلّا أن نقول : إنَّه حالٌ من المتّقين أنفسهم ، لا حال من الضمير ، لكنّها مستأنفةٌ ، أي غير مرتبطة بما سبقها . وبتعبيرٍ آخر : إنَّها معطوفةٌ بحرف عطفٍ مقدّرٍ ، وهو عطف استئناف لا عطف إعراب .
وأمّا ( الكِذّاب ) فهو مصدر من شدّة الكذب ، وفاعله صيغة مبالغة ، وهو ( كذّاب ) ، وفعله ( الكِذّاب ) ، لا الكذب فقط ، بل كثرة الكذب ، وليس له فعلٌ ماضٍ للدلالة عليه بحدّه . إلّا أن نقول : كذّب بالتشديد إذا كثر كذبه ، فهو كذّابٌ ، ولكن كذّب تعني : كذّب غيره . إلّا أن نقول : إنَّ كذَّب بالتشديد
هامش
( 1 ) في الغرر والحكم : 210 ، الحديث 4053 ، عن مولانا أمير المؤمنينع قال : « خير الكلام ما لا يملّ ولا يقلّ » .
( 2 ) هذا مبني على أنَّ المشتقّ فيه ضميرٌ بلا اختصاصٍ لذلك بالفعل ، وإلّا فإلى أيّ شيءٍ يعود الحال إذا لم يوجد ضميرٌ في المتّقين ؟ الّلهمّ إلّا أن يُقال : إنَّه يعود إلى لفظ المتّقين نفسه ، لا إلى ضميرٍ فيها ، وهو ما سكت عنه العكبري . منهقدس سره .
( 3 ) أُنظر : إملاء ما مَنّ به الرحمن 279 : 2 ، سورة التساؤل .